التظاهرات في تشيلي محاسبة عن الفشل

انطلقت في جمهورية تشيلي في الأيام القليلة الماضية شرارة غضب المحتجين، واشتعلت ألسنة النيران، وامتلأت الساحات بجماهير احتشدت سلمياً للغناء والعزف على الآلات وقرع الطبول.

البعض عمد إلى إحراق الممتلكات ونهبها، فشهدت المتاجر عمليات سطو وسلب، وارتفعت أعمدة النيران من الأبنية ومحطات القطارات.

وشكل رفع رسوم المرور الشرارة، التي أشعلت فتيل غضب دفين منذ زمن امتد لعقد من الزمن واتخذ شكل أعمال سلب شهدتها سنة 2010 عقد زلزال ضرب البلاد بقوة 6.9 درجات، وبين عامي 2011 و2013 كذلك، حيث نظم الطلاب حملة احتجاجات ترمي لإتاحة التعليم بشكل ميسّر.

ولم يؤت قرار تعليق رفع رسوم المرور ثماراً مجزية تهدئ من موجة الغضب الشعبي العارم، إذ إن الاحتجاجات تتخطى مسألة الزيادة التي قاربت الأربعة في المئة. وسُمع المتظاهرون يهتفون: «الأمر لا يتعلق بـ30 بيزوس بل بـ30 عاماً» في إشارة منهم إلى العقود الثلاثة التي تلت تنحي الديكتاتور أوغستو بينوشيه عن الحكم عام 1990.

«كل من يتابع شؤون أمريكا اللاتينية يقول مندهشا (يا إلهي تشيلي أيضاً)؟» هذا ما قاله برايان وينتر، نائب رئيس الشؤون السياسية لمجلس الأمريكيتين،

لكن موجة الغضب يجب ألا تفاجئ أحداً في الواقع، فسياسات السوق الحرة النيوليبرالية، التي بدأت في عهد بينوشيه، واستمرت على مدى العقود الثلاثة الماضية قد ساعدت على استقرار وازدهار تشيلي وتحقيقها مستوى تضخم منخفضاً على حساب طبقة متوسطة هائلة تصارع لتأمين أساسيات مقومات الحياة الكريمة.

لقد شكلت قشرة الأوضاع الاستثنائية في تشيلي قناع تمويه طغى بعمق على انعدام المساواة والنمو الاقتصادي غير المتكافئ.

وترفع أعمال الاحتجاجات الأخيرة في تشيلي القناع عن عدد من الأشخاص الذين خلفهم أبي وراءه، عن المحتجين من الطلاب الشباب الذين هم بعمر أحفاده اليوم. وأبي كان قد غادر تشيلي في 1975 من دون رجعة إلى الولايات المتحدة، وقد بكاها اليوم أو ذرف الدموع على ما يتذكره منها، من محطات مواصلاتها ومناظرها الخلابة وكتابها وأنواع طعامها، والمآسي التي عاشها فيها أيام شبابه.

ويواجه المحتجون الشباب في تشيلي صعوبات كثيرة كتلك التي صادفها أبي يوماً، بدءاً من سوء الأوضاع التعليمية، وغياب فرص العمل ونظام الرعاية الصحية، فالبطالة المتفاقمة أجبرت والدي على مغادرة مدينته فالباريزو، وقد أمضى أربع سنوات من العمل في مناجم النترات في صحراء أتاكاما قبل أن يغادر البلاد نهائياً بعمر السابعة والعشرين.

لم يكن والدي يرغب بأن يموت شاباً كما عمال المناجم الذين قضوا بالسحار السيليسي الرئوي. لقد أراد أن يعيش وأن يسافر، ولم يتمكن من إيجاد عمل بلا معارف.

«لقد كان من الصعب جداً العثور على وظيفة بلا أصدقاء أو عائلة تساعدك. لم يرغبوا بإعطاء الفقراء أية فرصة، لهذا أنا لا أحب بلدي». هذا ما قاله أبي الذي عمل على متن سفن أخذته حول العالم وحطت به الرحال في أمريكا.

لم يكن أبي يملك شيئاً حين وصل إلى نيويورك، سوى طاقته وإرادته للعمل. لم يصبح والدي ثرياً، لكنه اغتنم بعض الفرص المتواضعة في لحظات تاريخية منحته بعض الاستقرار مع تقدّمه في العمر فزوّدته بالبطاقة الخضراء، ووظيفة مع معاش تقاعدي، ومسكن ميسور التكلفة في مانهاتن. ويصعب تخيّله يؤمن استقراره اليوم في أي من الولايات المتحدة أو تشيلي.

الشباب من حول العالم يحاربون من أجل حياتهم، ونحتاج لأن نسمعهم ونتصرف. الوضع القائم اليوم يرادف الامتعاض المتنامي في أوساط الشباب، وتعميق عدم المساواة في الأجور، وتظاهرات حديثة، ورجل أعمال محافظ يدير أذناً طرشاء. النار ستشتعل في المرة المقبلة في دارك إن لم تتعامل مع مسألة اللا مساواة المتنامية والتعلّم من حركات الاعتراض، التي تجري في الخارج.

* أستاذة مساعدة بجامعة كاليفورنيا

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات