وعد ممن لا يملك لمن لا يستحق

لا عدالة في القرار الدولي. كان ذلك تعليق الدكتور بطرس بطرس غالي، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، عند انتهاء ولايته الأولى للمنظمة الدولية في 31 ديسمبر عام 1996، بعد أن سجل الواقعة الأولى من نوعها في تاريخ المنظمة، بتركه موقعه بعد دورة واحدة فقط.

وكانت مادلين أولبرايت مندوبة إدارة كلينتون في الأمم المتحدة، ووزيرة خارجيته بعد ذلك قد قادت حملة شرسة لمنع التجديد له لدورة ثانية، لأسباب مختلفة كان بينها إلحاحه على تسديد المستحقات الأمريكية للأمم المتحدة وتمسكه برسم طبيعة دور قوات حفظ السلام الدولية، والحرب في البوسنة ورواندا والتدخل الأمريكي في الصومال وهي كلها تعكس نزوع بطرس غالي كأمين عام قادم من منطقة مليئة بالكوارث والنزاعات والمظالم، إلى بناء دور مستقل للمنظمة الدولية، ينحو للعدالة، بعيداً عن صراعات الهيمنة للدول الكبرى.

لكن تلك الأسباب بدت ذرائع للتعمية على السبب الأصلي لحرمانه من إتمامه للدورة الثانية كما هي العادة، وهو ليس فقط رفضه لعرقلة التحقيقات الدولية في مجزرة قانا جنوب لبنان، التي راح ضحيتها نحو مائة لبناني فضلاً عن الجرحى، كانوا جميعاً يقطنون المنطقة في حماية القوات الدولية، بل كذلك لإدانة التقرير لإسرائيل وتحميلها مسؤولية المجزرة.

بعد ذلك بسنوات ظلت تلك الجملة لصيقة في أحاديث وحوارات بطرس غالي بما آلت إليه قضية فلسطين، فالعدالة ظلت هي العنصر الغائب بشأنها في القرار الدولي.

والسؤال الذي تستحضره تلك الجملة الحافلة بالحقيقة هو: من المسؤول عن تلك المآلات التي حولت القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني، إلى قضية إنسانية وسكانية؟ ومن يتحمل تراجع الاهتمام الدولي بها، بل لا مبالاته بالقتل اليومي للفلسطينيين لمعالجة انقسامات سياسية داخلية في إسرائيل تارة، ولمعابثة غرائز الناخب الإسرائيلي المتعطش لدماء الفلسطينيين وهدم منازلهم وتهجيرهم وأسرهم وإهانتهم وتعذيبهم والسطو على تراثهم وتاريخهم ومواصلة الاستيطان والتهام الأراضي تارة أخرى؟

سؤال يفرض نفسه على كثيرين غيري، مع مرور الذكري 102في الثاني من نوفمبر الجاري لوعد بلفور التي كانت فيما مضى من عقود، مناسبة لغضب عربي عارم من محيط الأمة إلى خليجها.

وفي جيلي، كانت التظاهرات تنطلق في مثل هذا اليوم من داخل الجامعات وخارجها، ترفع العلم الفلسطيني وتهتف ضد «دولة إسرائيل المزعومة» ومؤامرة بريطانيا الإمبراطورية الاستعمارية الغاربة، التي زعمت أن الشمس لم تكن تغرب عنها.

تغيرت الأحوال على الصعيد العربي والدولي والإقليمي، ولم يعد تراكم العقود على مرور ذكرى من أعطى فيها «من لا يملك وعداً لمن لا يستحق» ملفتاً لانتباه أحد، أو مثيراً لغضب عربي ساطع، أو حتى خافت.

وحده المجلس الوطني الفلسطيني-البرلمان-أصدر بياناً يطالب دول العالم التي لم تعترف بدولة فلسطين بالاعتراف بها استناداً لقرارات الشرعية الدولية، ويدعو الحكومة البريطانية للاعتذار للشعب الفلسطيني وتعويضه والاعتراف بدولته على حدود يونيو 1967.

هناك صك مؤامرة بطبيعة الحال أنشأ دولة مزعومة في فلسطين «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض» كما قال أحد القادة الصهاينة مزوراً للتاريخ لكن ذلك لا يلغي مسؤوليتنا عنه، وعن تمكن «المزعومة» في غضون نحو ثلاثين سنة منذ صدور الوعد، أن ترسخ وجودها من حركة صهيونية إرهابية، تتسول الاعتراف الدولي بها، وتمارس شتى أنواع الضغوط لكي يقبل المحيط العربي بوجودها، ويوقع معها معاهدات صلح أو عدم اعتداء، إلى دولة عضو في الأمم المتحدة ترفض كل تسوية طبقاً لقراراتها الأممية، وترفض مبادلة الأراضي التي احتلتها عام1967 بالسلام وفقاً لمبادرة قمة بيروت العربية.

ليس هذا فقط بل غدت قوة تفرض شروطها لصياغة الموقف الدولي من أزمات منطقة الشرق الأوسط، وهو موقف يبدأ وينتهي بإدانة خجولة لممارستها الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني، مع مدها بكل عناصر القوة العسكرية والمعنوية والقانونية لمواصلة تلك الممارسات، لتصبح القوة الثالثة المتصارعة على التوسع والنفوذ في المنطقة بجانب إيران وتركيا.!

في سياق سعيها الدؤوب لتزوير التاريخ لفرض تسوية تعصف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، نسبت إسرائيل لجمال عبد الناصر قولاً للزعيم الفلسطيني «أحمد الشقيري» أن العرب سيلقون إسرائيل في البحر، كما نسبت إليه موقف الحزب القومي السوري القائل إن الصراع العربي -الإسرائيلي صراع وجود لا حدود. المؤكد أن الزعيم عبد الناصر، قال إن ما اُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وهو ما تحقق بنصر أكتوبر 1973 الذي جسد اللحظة القصوى لبلورة قوة التضامن العربي وفاعليته.

والقوة المطلوبة اليوم ليست التعبئة للذهاب إلى الحرب، بل لجذب القرار الدولي نحو العدالة كما حلم بطرس غالي، بسد الثغرات التي تلتهم مصادر القوة في الموقف العربي المشترك، وبينها التوصل لتسويات سياسية للحروب المشتعلة في ليبيا وسوريا وغيرهما، والعمل على إنجاح المصالحة الفلسطينية، وإحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والالتزام بها كي لا يظل مصير الأمة رهناً بمن لا يملك ومن لايستحق.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات