من الأوراق النقدية إلى الذهب والفضة.. الهروب إلى الماضي

مر التداول عبر التاريخ بالعديد من المراحل، فكانت المقايضة أول نظام نقدي للتداول، حيث كان الناس في العصور الأولى يتبادلون البضائع والمنتجات ولا سيما الغذائية منها، وكانت التجارة تقوم على هذا النظام آن ذاك، وبعد ذلك بدأت أنظمة نقدية جديدة في الظهور، فعرف الناس سك العملات من قديم الزمان كبديل أفضل للمقايضة، ومن مميزات هذه العملات أنها كانت ذات قيمة بحد ذاتها، فهي إما من الذهب أو الفضة، وبعض العملات المعدنية من النحاس، ولكن كان التداول الأساسي بالذهب والفضة.

ومع ظهور العديد من الأنظمة والدول ظهرت العديد من العملات الذهبية والفضية، ولنا في تاريخنا الإسلامي شواهد جميلة على أن المسلمين سكوا العملات الذهبية في عهد الدولة الأموية والعباسية وغيرها، وتميزت هذه العملات بنقائها، فالدينار الذهبي في عهد الرشيد وصلت نسبة نقائه بحساب زماننا إلى 23.5 من 24 قيراطاً وهو الذهب الخالص.

ومن ثم ظهرت العملات الورقية والتي كانت مربوطة بالذهب حتى القرن الماضي، وبعد ذلك تم فك الارتباط بين العملات الورقية والذهب، ونشأت بعدها العديد من المشكلات الاقتصادية في العديد من دول العالم نتيجة لهذا القرار، ومنها مشكلة معدلات التضخم التي باتت في ارتفاع مع مرور الأعوام، وغيرها من المعضلات الاقتصادية.

وهنا نناقش أهمية العودة إلى الوراء في مثل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، ما المانع للعودة إلى الماضي قليلاً واعتماد معدني الذهب والفضة للتداول النقدي بدلاً من الأوراق النقدية التي لا قيمة لها، وأن يكون هذا التحول مراعياً للأعراف المعمول بها الآن في الأنظمة النقدية، وقبل أن نشرح تصورنا الحديث لعملات الذهب والفضة نود أن نذكر أولاً بعض المميزات في النظام المقترح:

1- العملات الذهبية والفضية قيمتها في ذاتها، فالذهب هو المعدن الثمين الذي لم يختلف على قوته اثنان، هذا المعدن النادر وعلى مر التاريخ تتزايد قيمته، وتحتفظ منه الدول والحكومات بمخزونات كبرى لندرة وجوده ولقيمته الكبيرة، فالعملة عندما تكون عبارة عن قطعة من الذهب أو يحتوي جزء منها على الذهب تكون ذات قيمة في حد ذاتها، على خلاف العملة الورقية فهي في الأساس عبارة عن ورقة فقط لا قيمة لها بالأساس.

2- مخزون أكبر من الذهب والفضة، حيث إن لكل حكومة مخزوناً من الذهب بالعادة لا يتناقص بل يزيد على مر الأيام، فالعديد من الدول لديها مخزونات كبرى من الذهب الذي تشتريه عبر بنوكها المركزية، ولقد انتشرت حمى شراء الذهب بين البنوك المركزية خلال العامين المنصرمين، فالذهب ملاذ آمن في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية غير المستقرة في العديد من مناطق العالم، وقد شهد العالم شراء أكثر من 650 طناً من الذهب خلال 2018 والأرقام ما زالت بارتفاع خلال هذه السنة.

3- مورد جديد وسلوك قويم، فالعديد من المشكلات الاقتصادية قد تحل نتيجة لتطبيق نظام مالي يحتوي على الذهب، منها على سبيل المثال أن الدول الإسلامية بإدخالها للذهب توجد مصدراً جديداً للموارد المالية، وهي الزكاة، وبذلك نخرج من الخلاف القديم بين وجوب الزكاة على العملات الحالية، هذا المورد الجديد الذي بالإمكان تطبيقه حتى في الدول التي لا تعتنق الإسلام سيخدم أهداف التنمية لا محالة، كما أن الأفراد أنفسهم سيظهرون نوعاً من الالتزام بالعادة الصحيحة كتقليل الصرف والادخار، فادخار الذهب الذي تتزايد قيمته في العادة أفضل من ادخار عملة ورقية قد تنزل قيمتها أو قد يتم تعويمها وتحدث بعد ذلك الكارثة.

ولعل أفضل وسيلة لإدخال الذهب عبر الأنظمة النقدية الحديثة حالياً هو أن تحتوي العملات الورقية على كمية من الذهب أو الفضة، بحيث يتم تغليفها جيداً بأغطية قوية من أي مادة كالبلاستيك وغيرها بحيث لا تسمح بفقدان الغرامات الموجودة من الذهب في هذه العملة، وبذلك ستكتسب العملة قيمتها من مقدار ما تحتويه من ذهب، كما أنه لا يمنع أيضاً من إعادة إصدار عملات من الذهب الخالص كالعملات القديمة، دينار الذهب ودرهم الفضة.

إن الأزمات التي في العالم الآن دفعت الحكومات للإقبال على شراء الذهب، ولعل الأولى أن يتم استخدام الذهب في النقد لما له من أثر في الاستقرار الاقتصادي وعدم التأثر بالمشكلات العابرة للقارات، هذا ولا ضير من ربط العملات الرقمية أيضاً بالذهب، فهذا يقوي من استقرار وثبات هذه العملات بدلاً من التصاعد المخيف لبعضها من غير أساس.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات