إمكانية القضاء على الملاريا 2050

قبل ثلاثة أعوام، قررت منظمة الصحة العالمية التشديد على مرض الملاريا الذي أدى إلى مقتل أكثر من 435 ألف شخص عام 2017، يزيد نصفهم عن أطفال دون سن الخامسة.

وبالدعوة لانعقاد مجموعة بحثية خاصة لدراسة احتمالات مسح هذا المرض من على وجه الأرض، خلص تقرير المجموعة، خلال الشهر المنصرم، إلى أن «الملاريا يمكن ويجب القضاء عليها بحلول عام 2050».

لطالما كانت مسألة القضاء على مرض الملاريا «حلماً بعيد المنال» ولفترة طويلة، وذلك بلسان أحد الأعضاء البارزين في الفريق الاستشاري الاستراتيجي لمنظمة الصحة العالمية. أما الآن فإن أمر القضاء عليه من الممكن تحقيقه في غضون جيل واحد.

قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الملاريا منتشرة في أوروبا والولايات المتحدة كما هي اليوم في بعض البلدان النامية، حيث لا تزال تعيث فساداً. لقد تم هزيمتها بفضل مادة كيميائية فعّالة للغاية في القضاء على البعوض والحشرات الأخرى الحاملة للأمراض، وفي عام 1948 حصل مكتشفها، وهو الكيميائي السويسري بول هيرمان مولر، على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب.

بالنسبة للملايين في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا، كان ثنائي كلورو ديفينيل - تراي كلوروميثيل ميثان، المعروف باسم «دي دي تي»، معجزة منقذة للحياة، تم التعرف عليها لأول مرة خلال الحرب للعمل على الحد من الأوبئة مثل التيفوس والملاريا وحمى ذبابة الرمل، وهي أمراض تسببت في إزهاق الكثير من أرواح قوات الحلفاء عنها عن إزهاق أرواح الأعداء في بعض ساحات القتال.

في عام 1955، جندت منظمة الصحة العالمية دواء «دي.دي.تي» كسلاحها المفضل لأول برنامج عالمي للقضاء على الملاريا. ولقد شهدت تلك المجموعة من الأوراق العلمية، التي أصبحت طي النسيان حالياً، على نجاح تلك المادة بحيث إنه قد تم القضاء على الملاريا في جميع البلدان المتقدمة بحلول عام 1967.

ومع ذلك، كما كتب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في مجلة «لانسيت» الطبية الشهر الماضي، فإن برنامج الاستئصال الذي دام 14 عاماً والذي بدأ في عام 1955 «كان معيباً منذ البداية من خلال تجاهل أفريقيا المدارية، وهي المنطقة التي لا تزال تتحمل العبء الثقيل والأسوأ من المرض.

ذلك أنه بعد أن أسهم «دي دي تي» في القضاء على الملاريا من العالم المتقدم، طور الغرب وعياً حول التأثيرات المحتملة لتلك المادة الكيميائية على البيئة، وقرر أنها لم تعد عاملاً مناسباً. وعلى نحو غير ملائم، لم تجرِ استشارة أو أخذ رأي المسؤولين في أفريقيا المدارية حول «كفاءة» المادة».

جاءت الشرارة من كتاب «Silent Spring»، وهو إصدار نُشر عام 1962 في الولايات المتحدة ونُسب إليه الفضل بشكل كبير في إطلاق الحراك البيئي عالمياً.

فبإلهامٍ من رسالة خطتها إحدى صديقاتها حول اختفاء الطيور من حديقتها صباح أحد أيام الربيع، شنت عالمة الأحياء رايتشيل كارسون هجوماً عاطفياً على مادة الـ «دي. دي. تي» وغيرها من المبيدات الحشرية التي ادعت أنها «أسكتت أصوات الربيع في مدن لا تعد ولا تحصى في أمريكا».

لقد حاول العلماء وبشكل دوري استعادة سمعة الـ «دي دي تي»، ولكن دون جدوى. في عام 1999، بينما كان برنامج الأمم المتحدة للبيئة يعمل على حظر «الملوثات العضوية الثابتة»، بما في ذلك مادة الـ «دي.دي.تي»، تم تشكيل مجموعة تضم 380 طبيباً وعالماً من 57 دولة، بما في ذلك ثلاثة من الحائزين على جائزة نوبل في الطب، كتبوا رسالة مفتوحة يناشدون فيها الأشخاص الذين يفاوضونهم ليروا المنطق.

كتبوا أن حظر الـ «دي.دي.تي» قد يكون «مدعوماً من قبل معظم الدول الغربية الغنية والعديد من المنظمات البيئية غير الحكومية»، لكن المادة الكيميائية الرخيصة والفعّالة كانت «أداة مهمة في مكافحة الملاريا التي لا تزال آفة رهيبة في العالم النامي».

لم يكن السؤال الوحيد فيما إذا كانت المادة تشكل مخاطر صحية ولكن «ما إذا كانت تلك المخاطر تفوق الفوائد الهائلة للصحة العامة للمادة ذاتها في مكافحة الملاريا». في الواقع، حظر مادة الـ«دي. دي. تي» سيؤدي إلى عدد هائل من الوفيات الإضافية.

وفيما يتعلق بمخاطر المادة الكيميائية، أشارت ورقة نشرت في مجلة «لانسيت» خلال العام التالي إلى أنه على الرغم من أن المادة الكيميائية كانت مستخدمة على نطاق واسع منذ 55 عاماً، إلا أن التهديد المفترض على صحة الإنسان والبيئة «لم يتم تأكيده من خلال استقصاء علمي متكرر».

Ⅶ كاتب صحافي بريطاني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات