تارو كونو وزير ياباني غير عادي

حين قرر رئيس مجلس الوزراء الياباني شينزو آبي نقل تارو كونو من وزارة الخارجية إلى وزارة الدفاع خلال حملة التعديل الوزاري الأخيرة، كان يحاول الحدّ من تأثير خلف محتمل.

وبما أن آبي لم يتمكن من إزاحة كونو بالكامل فقد افترض عملياً أن وزارة الدفاع التي تعتبر الحقيبة الأضعف مؤسساتياً في الحكومة، ستشكل الموضع الأمثل لكبح نفوذ كونو. المسألة بالنسبة لآبي بأن ذلك يضع موقع وزير الدفاع في طريق مجهول.

غير أن كونو لا يشبه أي وزير للدفاع شهدته اليابان، فقوته السياسية وملفه المثقل وخلفيته الشخصية والمهنية، كما طريقة تفكيره المستقلة تضعه في مصاف مختلفة. إنها المرة الأولى التي يتربع على سدة وزارة الدفاع شخص مهيأ لمنصب رئاسة الوزراء، مما سيؤدي لولاية فريدة تشكل سابقة من نوعها لوزير الدفاع.

وبالرغم من أن ممارسة كونو لصلاحيات المنصب الجديد ستكون محدودة، فإن طموحه السياسي يعني أنه سيضطلع بمسؤولياته بطرق ترفع من الدعم الشعبي، وأنه سيبدي عن قيادة صلبة في تعزيز علاقاته مع الجيوش الأجنبية، وسيختبر على الأرجح المدى الذي يمكن الذهاب إليه في ملاحقة أهداف سياسية قد تتباين مع الأجندة الدفاعية الشخصية لرئيس الوزراء.

صفات عدة تميّز كونو عن سابقيه، أولها سيرته الذاتية التي تكللت بحقيبة الخارجية بعد مسيرة مع لجان العلاقات الخارجية والدفاع القومي في الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني، والهيئة الوطنية للسلامة العامة.

لكونو كذلك ملف هو الأغنى لأي وزير دفاع شغل المنصب، إذ إنه يتحدر من عائلة سياسية، ويمتلك 1.1 مليون متابع على تويتر في المرتبة الثانية بعد آبي نفسه.

كما يعد كونو السياسي الأكثر نفوذاً الذي يشغل منصب رئاسة وزارة الدفاع، إذ لم يحظ أي من سابقيه بحجم الدعم الذي يمدّه به الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني. ويشكل أيضاً المرشح الطليعي لمرحلة ما بعد آبي، والوزراء في الحكومة يدركون تلك الحقيقة جيداً، الأمر الذي يؤثر على كيفية تعامل باقي الوزراء والهيئات معه كوزير للدفاع.

في النهاية، يعد كونو أحد السياسيين الأكثر كفاءة لتولي مسألة العلاقات الخارجية، حيث إن قدراته في اللغة الإنجليزية واتساع نطاق خبراته في الخارج وأريحية التعامل في المسارح الدولية تجعله متفوقاً على سواه.

ومن ضمن الخطوات الملحوظة التي قام بها كونو، والتي لم تحظ بالكثير من الاهتمام الإعلامي على أهميتها تتمثل بانتقائه مستشارين من المفكرين السياسيين المحترمين في المجالين الأكاديمي والسياسي، إلا أنهم كما كونو لا يشبهون أسلافهم الذين عادة ما كانوا ينتمون إلى فئة البيروقراطيين المتقاعدين، أو ضباط قوات الدفاع، بل هم من الضليعين في الشؤون الخارجية الذين سيقدمون استشارات تتعلق بقضايا استراتيجية إضافة للشؤون الداخلية، الأمر الذي يشير إلى تعدي نطاق اهتمامات كونو إلى ما هو أبعد من السياسات الداخلية للبلاد.

ويقتضي وجود كونو في حقيبة الدفاع تعديلاً في الأسلوب الذي يتعامل به بيروقراطيو الدفاع مع وزيرهم. فمع منصب رئاسة الوزراء الذي يلوح في الأفق سيتطلع عدد من المسؤولين إلى المدى الطويل ويتساءلون إلى أي مدى سيتمكنون من السير بالاتجاه المعاكس ضد شخص قد يتبوأ قريباً المركز الأعلى شأناً في البلاد.

أما بالنسبة لآبي، فيشكل تعيين كونو سيفاً ذا حدين، حيث إن أداء الأول المتميز كوزير للدفاع يسهم في تعزيز معدلات قبول حكومة الأخير. غير أنه يرفع بالمقابل من رتبة كونو في الوقت الذي يسعى آبي لتهيئة خلف آخر له في رئاسة الحكومة.

كما أن شهرة كونو ونزعته للقيادة من المراكز الأمامية تسرقان الأضواء من آبي الذي روّج لنفسه على أنه شخصية مرادفة للاستقرار في عزّ الأزمات. وسيؤدي ذلك على الأرجح لتوتر بين الرجلين، ضمن مسار مدّ وجزر يرافق عهد كونو في وزارة الدفاع.

بمعزل عن أية أسئلة متبقية، فإن الخلاصة الوحيدة المؤكدة تجزم بتمثيل كونو لنوع مختلف من وزراء الدفاع. وحده الوقت سيتكفل بإظهار معنى ذلك في إطار التغييرات الملموسة للمشهد الأمني الياباني، إلا أن العام المقبل يعد بأن يكون مثيراً للاهتمام في المجال الدفاعي الياباني، إن لم يكن سابقة من نوعه.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات