حقوق الإنسان أداة في الصراع الدولي

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتقال الصراع بين المعسكرين الرأسمالي، والاشتراكي، إلى الحرب الباردة، كان من الطبيعي أن تبرز قضية حقوق الإنسان في المجتمع الدولي، بعد الفواجع والكوارث والمآسي التي أسفرت عن تدمير بلدان ومدن وتجويع أخرى، وتهجير ثالثة وقتل نحو75 مليوناً من السكان، فضلاً عن مئات الآلاف من الجرحى والمشوهين والمرضى النفسيين، وقبل هذا وبعده ما ترسخ في النفوس والعقول من مخاوف عميقة من احتمالات تجدد أهوال تلك الحرب مرة أخرى.

ولم يكد يمضي على انتهاء تلك الحرب ثلاث سنوات، حتى اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر في العاصمة الفرنسية باريس عام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أقر للمرة الأولى الحقوق الأساسية التي يتوجب على المجتمع الدولي حمايتها.

وفي ديباجته، أعتبر الإعلان أن تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها، قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر، انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والخوف.

وناشدت الجمعية العامة كافة الأمم والشعوب وضعه الإعلان نصب أعينهم، وترسيخ الحقوق والحريات الواردة به واتخاذ إجراءات قومية وعالمية متعاقبة لضمان الاعتراف بها ومراعاتها عالمياً.

تحكمت موازين القوى الدولية في تأرجح الحقوق والحريات الواردة في الإعلان العالمي بين التجاهل التام والتنفيذ المخل على المستويين الوطني والدولي، لكن المؤكد أن الأهداف النبيلة والسامية التي انطوى عليها الإعلان، تم استخدامها من قبل القوى الكبرى، التي باتت تتحكم في القرار الدولي، كسلاح للهيمنة والنفوذ وتعظيم المصالح، والتدخل في شؤون الدول الأخرى، وحتى للاحتلال والغزو ونهب الموارد.

ألم تغزو أمريكا العراق بهدف إقامة نظام ديموقراطي، فتحول إلى دولة فاشلة، بعد أن نُهبت ثرواته النفطية والتراثية؟ ألم يقل ترامب أنه سيبقي قواته في سوريا «لحماية» النفط السوري حتى لا يقع في يد إرهابيي داعش؟ ألم يتسبب الغزو الأمريكي لأفغانستان بزعم تحريرها من النفوذ السوفييتي ومن إرهاب القاعدة وطالبان، في تمدد الإرهاب عالمياً، وعاث الأفغان العرب قتلاً وتخريباً في الدول العربية، قبل أن تتناسل من رحم كل ذلك، داعش أكثر منظمات الإرهاب وحشية ودموية؟

في عام 1978 تأسست في نيويورك بدعم من وكالة المخابرات الأمريكية منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية بهدف مراقبة مدى التزام الاتحاد السوفييتي بنصوص الحقوق والحريات في اتفاقية هلسنكي وسرعان ما تنامى دورها في الانقلابات والتوترات السياسية والمجتمعية في دول أمريكا الجنوبية، والدول التي انفصلت عن الاتحاد الروسي، ودول ما سمي بالربيع العربي بزعم دعم الانتقال إلى الديموقراطية بينما هي تكرس بنشاطها مصالح واشنطن وحلفائها الغربيين في بسط النفوذ والهيمنة وتنفيذ مخطط الفوضى الخلاقة !

لا يستطيع منصف أن ينكر الدور الإيجابي الذي لعبته منظمات حقوق الإنسان في مصر منذ بدء عملها في ثمانينيات القرن الماضي. فقد وسعت من نطاق الحريات العامة والديموقراطية في المجتمع. ونشرت الخطاب الحقوقي لدى الفئات المهنية المختلفة لتتعرف بوعي على حقوقها وواجباتها.

لكنها بعد نحو عقد من نشاطها، فقدت كثيراً من مصداقيتها، حين اتخذت من الخطاب الحقوقي غطاء للتعبير عن آراء سياسية فجة ومنحازة، تمتلك أجندة خارجية، وتطلق في غيبة من ضمير حي، أحكاماً عامة لا دليل واحداً عليها. بالإضافة إلى أنها فتحت الحياة العامة لجيش من العاطلين ممن لا مهنة لهم سوى الادعاء بأنهم( نشطاء سياسيون )!

واليوم الأربعاء 13 نوفمبر، تستعرض مصر جهودها لترسيخ أوضاع حقوق الإنسان في جلسة المراجعة الدورية التي تعقد كل 5 سنوات، أمام المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بجنيف. ويقوم وفد حكومي رفيع المستوى بمشاركة من خبراء مستقلين بعرض الملف المصري الذي يتضمن الوثائق والمعلومات التي تعكس تقدم مصر في هذا الملف، برغم الظروف الاستثنائية التي تفرضها الحرب على الإرهاب.

ومن المساخر الباعثة للازدراء، أن عدداً من هؤلاء العاطلين والمتسولين على موائد المنظمات الحقوقية الغربية، والتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، قد نجحوا في تشكيل جمعيات حقوقية بيافطة مصرية، في لندن وجنيف واسطنبول ودولة التشيك وهم من يقومون بتحركات في مواجهة الوفد المصري، بتوزيع بيانات مضللة عن الحريات المهدرة في مصر على هامش تلك المراجعة التي تستمر 3أيام!

لا أحد يزعم أن الحريات في مصر في أحسن أحوالها، ومن الوارد أن تحدث تجاوزات، في الظرف الاستثنائي الذي تتصدى فيه البلاد لحرب شرسة ممتدة على الإرهاب، ليغدو الإرهاب هو العدو الأول للحريات، وليس الذين يتصدون لجرائمه.

وإدراج ما يسمى بقتل السلطات المصرية محمد مرسي في تقرير الأمم المتحدة، لا يدل على شيء سوى أن التنظيم الدولي للإخوان هومن يمول ويحرك هؤلاء المنتفعين من آلام أوطانهم، ومن يحرضون على الاستخدام السياسي لحقوق الإنسان!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات