اللعبة الخفية بين الخليفة الداعشي والعثمانلي!!

بعد محاولات للتهرب من إتمام الزيارة، يذهب الرئيس التركي أردوغان إلى الولايات المتحدة وهو في أسوأ حالاته، الرجل الذي كان يتصور قبل بضعة أسابيع أن غزو قواته لشمال سوريا سوف يضعه في موضع القوة ويمنحه أوراقاً كثيرة من أوراق اللعبة، يجد نفسه محاصراً، ولا يجد لديه إلا توزيع الاتهامات بأن أمريكا وروسيا لم تنفذا ما وعدتا به، وأن الأكراد المسلحين باقون في مواقعهم شمال شرق سوريا، وأن أعوانه من العصابات الإرهابية الذين شاركوه الغزو يأخذونه معهم إلى دائرة التجريم الدولي!!

يذهب أردوغان إلى أمريكا وأمامه كونجرس يريد معاقبته، وإدارة حكومية كان يظن أنه استعاد الكثير من ثقتها به كحليف رئيسي، فإذا بها تريد محاسبته. على الأقل حتى لا تتهم بأنها كانت شريكة له في بعض جرائمه أو أنها علمت ولم تحاسب!!

الخلافات بين أردوغان وإدارة ترامب كثيرة ومعقدة، لكنها ظلت لفترات طويلة محكومة بالحرص الأمريكي على ألا تفقد تركيا كحليف استراتيجي ولو أدى ذلك لتحمل أخطاء أردوغان وشراكاته المشبوهة وأوهامه التي لا علاج لها في استعادة «السلطنة» في انتظار أن تشفى تركيا من الفيروس الإخواني وتوابعه الوبيلة!!

في ظروف عادية، كان سقوط البغدادي سوف يكون انتصاراً مزدوجاً لأمريكا وتركيا التي غزت شمال سوريا بدعوى محاربة الإرهاب، لكن الأمر هنا كان منذ اللحظة الأولى مثيراً للتساؤل.. العملية تمت حيث تسيطر قوات تركيا والعصابات الإرهابية الإخوانية التابعة لها (!!) وقد كان يمكن أن يثير هذا احتمال مشاركة تركيا في عملية اصطياد البغدادي، لولا أن الأمر كان واضحاً من البداية بأن العملية تمت بدون علم الأتراك الذين وجدوا أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، ووسط أسئلة لم تنقطع حتى اليوم عن علاقتهم المشبوهة مع داعش!!

لم تكن علاقة أردوغان بالدواعش خافية على المراقبين، وبالتأكيد لم تكن بعيدة عن أعين أجهزة الاستخبارات الدولية. سواء منها من كان يدعم أو يعارض مثل هذه العلاقة التي ساهمت لسنوات في تدمير سوريا والعراق، لكن هذه الأجهزة تسكت «أو حتى تشارك» حين تريد، ولا تتورع عن كشف المستور حين تريد فتح الملفات. وهكذا الأمر مع أردوغان الذي يعرف بالتأكيد معنى فتح ملف علاقته بالدواعش، ويبدو خلال الأيام الماضية كمن يحاول ملاحقة الأمر حتى لا يصل إلى نهايته التي يعرف -بالتأكيد -خطورتها.

لم يكن الأمر صادماً حين كان الحديث منحصراً في دور أردوغان وأجهزته في تسهيل دخول الدواعش إلى سوريا مع بدء عملية التدمير المخطط والمنظم للدولة السورية، لكن الحديث أخذ بعض الأهمية حين جاء على لسان مسؤول بوزن المبعوث الدولي السابق للتحالف الدولي ضد داعش، وحين حدد أعداد هؤلاء بأربعين ألف مقاتل إرهابي رعتهم أجهزة أردوغان وهم يصلون من 110 دول إلى مطارات تركيا ثم إلى عبور الحدود السورية.

ولم يكن الأمر كذلك حين بدأ الحديث عن استهداف قوات الغزو التركي وحلفائها من عصابات الإرهاب الإخواني للسجون في شمال سوريا وتهريب أعداد من الدواعش، ومحاولة استكمال هذه العملية ليكون آلاف الدواعش ورقة مساومة وابتزاز لدول العالم، أو ليكونوا -مع الإخوان -سلاحاً لتحقيق أوهام التوسع العثماني عند أردوغان!

لكن الأمر اختلف مع العملية الأمريكية لتصفية البغدادي. أدرك أردوغان الخطر، وحاول الإيحاء بأنه ساعد وقدم المعلومات اللازمة لأمريكا، لكن المحاولة كانت فاشلة، وإخفاء أمريكا لأسرار تحركاتها كان كافياً لتأكيد أنه لم يكن شريكاً في العملية، وأن ذلك يعني أحد أمرين: أن يكون لم يعرف أصلاً بوجود البغدادي في موقعه الأخير، أو أن يكون متواطئاً معه!!

في ظل ذلك بدأت الضغوط الأمريكية تتوالى، وبدأ أردوغان يفهم الرسائل فيزداد تخبطاً في تحركاته، عرف الرجل أن ما لدى الأطراف الأخرى من حقائق وأسرار عن علاقاته بداعش أكبر مما كان يظن. وبدأ الرجل في تقديم بعض ما لديه أعلن القبض على أخت البغدادي العجوز وزوجها وابنتها، ثم أعلن القبض على إحدى زوجاته ثم على أحد أبنائه.

وبدأ يفسر ذلك بأنه كان يعمل مع أجهزته دون ضجة مفتعلة، كما فعل غيره مع مقتل البغدادي!! لكن الأمر بدا بلا مصداقية بعد أن سبقته اعترافات «عديل» البغدادي التي كشف فيها للمخابرات العراقية أن معظم عائلة البغدادي قد وصلت إلى تركيا في أمان تام. وبعد أن أصبح معروفاً أن هذه المعلومات وصلت على الفور للأمريكان لتضاف إلى معلومات عديدة عن وجود أقطاب من الدواعش على أرض تركيا وبمعرفتها، وعن زيارات مرصودة لشقيق البغدادي وغيره من كبار المساعدين ولقاءاتهم مع المسؤولين الأتراك. ولتضاف أيضاً إلى شواهد عديدة على استحالة وجود البغدادي في موقعه الأخير دون علم أجهزة أردوغان ودون تفاهم مع قادة الميليشيا الإخوانية المتحالفة معه، وعلى استحالة أن يكون البغدادي قد ذهب إلى موقعه الأخير ليستقر فيه، بينما الحدود مع تركيا على مرمى البصر، والطريق سالك والمنطقة مؤمنة من قوات أردوغان وحلفائه!!

إذا تمت زيارة أردوغان المرتقبة لواشنطن فسوف يجد هناك الكثير مما لا يسره كونجرس مازال مصراً على توقيع العقوبات عليه بسبب الجرائم التي ارتكبها مع غزو سوريا، واتهامات تطارده بارتكاب جرائم إبادة وتطهير عرقي ضد سكان الشمال السوري. وملفات عن علاقته مع الدواعش تفتح صفحاتها بالقدر الذي يحقق المصالح الأمريكية، وربما يفهم أن السماح بغزوه لشمال سوريا كان من أجل تنفيذ مخططات أمريكية وليس لتحقيق أوهامه «السلطانية».

وربما يستمر أردوغان بعد ذلك لفترة تطول أو تقصر في ترديد كلامه حول إرث الأجداد واستعادة الخلافة، وفي الرقص على ما تبقى من حبال الإخوان التي ربطت بين الخليفة الداعشي المقتول، والخليفة العثمانلي الواهم. لكنه يعرف بالتأكيد أن القصة انتهت، وأن التاريخ لم يعد يصنعه التوحش أو تبنيه الأوهام!!

* كاتب صحفي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات