تسامح الرسول ﷺ وتعايشه

لعل أفضل ما يمكن عمله للاحتفاء بذكرى مولد نبي الإسلام والإنسانية سيدنا محمد ﷺ أن ننهل من سيرته ونغترف من سنته ونقتدي بتفاصيل حياته علنا نصل لمعادلة معيشية أكثر تعايشًا وأعمق تسامحًا.

علينا أن نقر ونعترف بأن العالم من حولنا يعاني شحًا في التسامح وفقرًا في التعايش. وعلينا كذلك أن نجل النماذج الرائعة التي تمثل نقاط ضوء في ظلام رفض الآخر وعتمة نبذ الاختلاف. وما الحروب الدائرة رحاها، والقلاقل المتطايرة شظاياها إلا محاولات للقضاء على الآخر وسحقه.

يوم فتح مكة، كان في إمكان رسول الله ﷺ أن يسحق من آذوه وطاردوه، لكنه لم يفعل. وستظل عبارة «اذهبوا فأنتم الطلقاء» وثيقة أممية أبدية مجسدة أسمى معاني التسامح والتعايش. لم يعفُ عنهم رسول الله وهو في موقف يشوبه ضعف أو موشك على الخسارة في ساحة المعركة. بل عفا عنهم بعد ما دخل مكة فاتحًا منتصرًا. عفا عنهم وهو يعلم أن الخوف يتملكهم. صاحب الأخلاق الكريمة التي شهد لها أعداؤه قبل أحبابه وأتباعه، وشارح سبب بعثته بقوله ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، والأسوة الحسنة التي يدعونا الله سبحانه وتعالى للاقتداء بها لم يكن ليرضى أبدًا بما يحاول البعض منا اقترافه اليوم تحت مسميات مغلوطة من «جهاد» و«دفاع عن الدين» و«رفع رايته» و«رفعة الإسلام والمسلمين» وغيرها.

الدين لن يُعز بتكفير الآخرين، والمتدينين لن ينتصروا بالتنكيل بالمختلفين والمخالفين. كما أن الحروب العقائدية والصراعات الطائفية والاقتتالات القائمة بهدف سحق الآخر أو طرده للانفراد بالأرض والعرض ليست من الدين في شئ. بل العكس هو الصحيح.

الدفاع عن المعتقد والذود عن العقيدة لا يتحققا بتحويل الأوطان إلى ساحات اقتتال ومنصات احتراب. وحتى في حال تلك الأوطان التي نجت بنفسها من ويلات الحروب الفعلية وقساوة الصراعات الدموية، فإنها لم تسلم كلية من ويلات الحروب الافتراضية والصراعات العنكبوتية التي تستنفد الهمم وتستنزف ما هو أبسط من وقت وجهد.

ولتكن ذكرى مولد الرسول ﷺ فرصة لمراجعة منهجنا وتصحيح مساراتنا. ولتكن نقطة البداية أبسط البدايات وأسهلها. الفظاظة التي يعتقد البعض إنها تليق بجدية الدين ورصانة المتدينين لا تؤدي إلا إلى الإساءة لكليهما. والغلظة التي يظن البعض إنها ترهب الآخر وتبث الرعب في قلوب المخالفين لا تؤدي إلا إلى مزيد من التشويه الذي لحق بنا في عقود التطرف والتشدد.

الآية 159 من سورة «آل عمران» يقول فيها المولى عز وجل: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» تستحق منا التعمق والتدبر والتفكر. الجفاء وسوء الخلق وقسوة القلب تؤدي إلى نفور الناس وابتعادهم. والعكس صحيح. الرفق واللين يحققان المراد حتى وإن كان هناك سببًا للغضب الذي قد يؤدي إلى العنف.

أعنف ما تعرض له العالم العربي في خلال العقود الخمسة الماضية كان التصاق صفات التشدد والتطرف والانغلاق ورفض الآخر به. وما تقوم به دول مثل السعودية والإمارات ومصر حالياً لتصحيح المسار يستحق الاحترام والتعميم. ورغم اختلاف ظروف الدول الثلاث ومستوجبات التصحيح، إلا أن الخطوات المتبعة مفيدة للجميع.

الخطوات المصرية المبذولة لإعادة روح التسامح في مصر عبر استرجاع تاريخ طويل من التعايش ليس فقط السلمي بل المثمر والمبدع، مع جهود تصويب الخطاب الديني وتصحيح المسار الثقافي تستحق الثناء والمطالبة بالمزيد. الصحوة السعودية من أجل التنوير والتثقيف وتبديد آثار سنوات طويلة من التعطش للانفتاح نموذج يدرس في تحقيق ما يبدو أنه مستحيل في حال توافر الإرادة السياسية مع استعداد القاعدة الشعبية. وها هي تسير بخطى ثابتة نحو تفعيل مبادئ التسامح والتعايش.

أما الإمارات فإنها لا تمل من إدهاشنا وإبهارنا كلما تعلق الأمر بهذه القيم الإنسانية. فمن استحداث منصب وزير دولة للتسامح في فبراير عام 2016، إلى «جسر التسامح» الذي وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، بتسميته في مثل هذه الأيام قبل عامين إبرازًا لقيمة التسامح في الإمارات التي يعيش فيها مواطنو 200 جنسية في وئام كامل، إلى إعلان صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حفظه الله العام الجاري عامًا للتسامح في الإمارات واعتباره عملاً مؤسسيًا مستدامًا يهدف إلى تعميق قيم التسامح والحوار وتقبل الآخر والانفتاح على الثقافات المختلفة، تكثر الخطوات وتتواتر الفعاليات التي تحول حلم التعايش إلى حقيقة وتجعل من التسامح واقعًا.

الواقع يقول إننا قادرون، والمرجعية الدينية والتاريخية تؤكد إننا سباقون، ولم يتبق أمامنا سوى الإصرار على التنفيذ.

* كاتبة صحفية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات