الديمقراطية هدف الإسرائيليين وليس نتانياهو

الديمقراطية الإسرائيلية كغيرها من الديمقراطيات في العالم تعاني من تاريخ مصبوغ بالعنف والاستعمار، وتمارس الرقابة على المواطن من المهد إلى اللحد عبر مؤسساتها، وأخيراً فإنها تعاني من فقدان المصداقية والتمثيلية وصعود الشعبويات اليمينية والخطاب العنصري، ومع ذلك فإن ديمقراطية ولو مريضة بحكم النشأة والجذور أو المسار.

تبقى خيراً وأبقى من الاستبداد والأحادية واللا ديمقراطية، لأنها تتضمن آلية لتصحيح الأخطاء وكشفها وتصويبها كحد أدنى.

في انتخابات الكنيست الثانية والعشرين والتي جرت في السابع عشر من سبتمبر عام 2019، والنتائج التي أسفرت عنها، تبين بوضوح أن الناخب الإسرائيلي لم يشأ أن يمنح ثقته المطلقة لـ«بنيامين نتانياهو»، أي أن يمنحه أغلبية من مقاعد الكنيست تحفظ ماء وجهه في تشكيل الحكومة، بل خصم من حصته الانتخابية التي حصل عليها في انتخابات أبريل عام 2019 آلاف الأصوات وبعض المقاعد.

والدلالة الرئيسية لموقف الناخب الإسرائيلي تتمثل في أن الناخب لم يعد يثق في «رئيس الوزراء» بسبب التهم المنسوبة إليه بالفساد وتلقي الرشاوى من رجل أعمال وخيانة الأمانة، وأن نتانياهو قد فقد الثقة والاعتبار أمام الناخبين الإسرائيليين، ومعنى ذلك أن حكم القانون له الأولوية على كل الاعتبارات.

فبما أن رئيس الوزراء المرشح متهم ويخضع للتحقيق في جرائم فساد، قد تنتهي بإدانته فإن الناخب الإسرائيلي قرر وضع نتانياهو في «قائمة الانتظار» وتحت الاختبار، حتى تتبين الحقيقة، ومن ثم يستحق نتانياهو وفق نتائج هذه الانتخابات أن يصبح عالقاً بين بقائه وقدرته على تشكيل الحكومة وبين إدانته أو براءته التي ستتقرر لاحقاً.

حيث حاول خطاب نتانياهو أثناء الحملة الانتخابية استثمار إعلان القدس عاصمة أبدية للدولة ونقل السفارة الأمريكية إليها رسمياً، كما ضمت الجولان السورية إلى إسرائيل بموافقة وإعلان ترامب رسمياً، وقام بتقديم وعود بضم الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس وغيرها ووعد بضم وادي الأردن؛ كل هذه المحاولات من قبل الطرفين نتانياهو وترامب باءت بالفشل.

ولم تنجح في حمل الناخبين الإسرائيليين على منح نتانياهو قبلة الحياة والقدرة غير المتنازع عليها لتشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة مستندة إلى تحالف اليمين القومي والديني المتشدد.

وكأن لسان حال هؤلاء الناخبين يقول ما فائدة وعود الضم للمستوطنات أو وادي الأردن وتوسعة حدود الدولة الإسرائيلية إذا كان الثمن هو تقليص حدود الديمقراطية أو التحايل على حكم القانون؛ من المحتمل أن الناخب الإسرائيلي يدرك بوعي أن تنفيذ هذه الوعود لم يعد مقتصراً على نتانياهو أو حكراً له، وأن سيادة المناخ اليميني منذ عام 2000 والانتفاضة الثانية، يجعل من هذا الأمر أي الضم سقفاً لأية تسوية مع الشعب الفلسطيني.

وفي متناول أيدي العديد من السياسيين في المشهد الراهن، خاصة وأنه يرى بأم عينيه أن «بيني جانتس» المنافس لم يجرؤ أن يتجاوز حدود هذا السقف في دعايته وبرنامجه الانتخابيين، من ناحية أخرى فإن موقف الناخب الإسرائيلي قد تراوده الشكوك حول فاعلية هذا الضم وقدرته على الاستمرار والصمود؛ بسبب تداعياته المحلية واحتجاجات الشعب الفلسطيني ضده.

والتي قد تذهب في اتجاه تهديد هذه السيطرة وإلحاق الأذى بصورة إسرائيل وتهديد سيطرتها على الوضع.

ولا شك أن هذه النتيجة ليست مطلقة، بمعنى أنها لم تفضي إلى تزكية البديل لنتانياهو أي معسكر أزرق أبيض، فلم يمنح الناخبون هذا البديل المقاعد الكافية للفوز بتشكيل حكومة وطنية أو حكومة ترتكز على معسكر الوسط واليسار، حيث أفضت النتائج إلى «توازن للضعف» أي عدم قدرة أي من المعسكرين المتنافسين على تشكيل الحكومة.

فشل نتانياهو في تنفيذ التكليف الذي حصل عليه من الرئيس الإسرائيلي بتشكيل الحكومة المأمولة وفي يوم الثلاثاء الموافق 22 أكتوبر أعاد هذا التكليف لرئيس الدولة الذي كلف بدوره «بيني جانتس» بتشكيل الحكومة، وهذا الأخير ستستند حكومته على تأييد القائمة المشتركة من الخارج أو تأييد إسرائيل بيتنا أو بعض النواب الذين قد ينشقون على نتانياهو ومعسكره.

من خلال تخصيص بعض الوزارات، التي يأملون في توليها أو ما دون ذلك من إغراءات، وفي حالة تعثر هذه المحاولة فإن تشكيل حكومة أقلية أمر وارد وستكون حكومة ضعيفة يسهل إسقاطها، وحتى الآن لم يستبعد لجوء إسرائيل إلى انتخابات للمرة الثالثة في غضون عام، وهو الأمر الذي يحاول تجنبه كل المسؤولين، ومع ذلك فإنه أمر وارد في حالة تعثر تشكيل الحكومة.

كاتب ومحلل سياسي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات