حين يحمي الجيش الدولة الوطنية

بدخول الحراك الجزائري شهره التاسع، ورفض المتظاهرين لإجراء انتخابات رئاسية في الثاني عشر من ديسمبر المقبل، تعللاً أن من ينظمها هم رموز النظام الذين خرجوا للشوارع يتظاهرون للمطالبة بإسقاطه، في الوقت الذي يؤكد قائد أركان الجيش «أحمد قايد صالح» أنها ستجري في موعدها، يبدو المشهد في الجزائر وكأنه يدور في حلقة مفرغة لا نهاية لدورانها.

لكنه لا يخلو كذلك من تجاهل لبعض النوايا المستترة في تصفية حسابات مع الماضي القريب، بهجوم الحراك على قائد الجيش والمطالبة باستقالته، بزعم أنه من مسؤولي النظام الذي يطالبون برحيل كل رموزه!

ولعل في ذاكرة من يوجهون غضبهم نحو الجيش ويحرضون على قائده وقائع ما جرى في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي. فقد تمكن إخوان الجزائر من تحقيق فوز ساحق في الجولة الأولى في الانتخابات التشريعية وقتئذ لأسباب متشابكة، كان بينها الدعم المعنوي الذي حازوا عليه من انقلاب إخوان السودان بقيادة الدكتور حسن الترابي وعمر البشير.

ومن قبله صعود الخميني إلى السلطة محملاً بأيديولوجية دينية يسعى لنشرها خارج حدود إيران. فضلاً عن التصويت العقابي للناخبين، رفضاً لسياسات بددت ثروات الجزائر الطائلة، وأفقرت شعبها.

ولم يكن في وسع الجيش الذي قاد حرب استقلال الجزائر، وحكم البلاد من خلال واجهة مدنية هي "جبهة التحرير الوطني" وأضحى هو القوة الوحيدة الفاعلة في الساحة السياسية، أن يقف مكتوف الأيدي أمام صعود قوة دينية جموحة ومندفعة إلى السلطة، بما يهدد بنية الدولة الجزائرية.

ومن الشائع أن الجيش كان يتحفظ على السماح للجبهة بالنشاط العلني، وعلى استجابة رئيس الدولة لمطالبها بإطلاق سراح المعتقلين من أعضائها وممن ينتمون لحركات الإسلام السياسي. وقبل أربعة أيام فقط من إجراء الجولة الثانية من الانتخابات، أرغم الجيش الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة، وألغى الانتخابات البرلمانية ونتائجها، لتدخل الجزائر عهد العشرية السوداء.

حيث قادت جبهة الإنقاذ وأنصارها من التيارات المتأسلمة حرباً شرسة لتدمير مؤسسات الدولة وقتل المواطنين والكتاب والمفكرين والفنانين، وهدم القرى على سكانها، وسبي النساء، وترويع المجتمع، وهو ما راح ضحيته نحو 200 ألف مواطن بينهم عناصر من الجيش والشرطة والسلطة التنفيذية، لتكشف تلك القوى عن أنها محض تنظيم إرهابي يتاجر بالدين ليخفي شرهه للسلطة والمال وسفك الدماء!

ولكل هذا ولغيره، يصبح من التبسيط المخل أي قراءة للحراك الجزائري، تغفل الدور الذي يلعبه الفرع الجزائري لجماعة الإخوان الذي يشكل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، في توجيه شعاراته وبعض أهدافه.

ليس لأنها قراءة قاصرة للواقع، بل أيضاً لكونها غير مدركة للمخاطر التي تسعى من خلالها تلك القوى غير المدنية، للصعود إلى السلطة والهيمنة عليها، استغلالاً للواقع الاقتصادي والاجتماعي البائس والمتردي في البلاد، ولغيبة الوعي السياسي، الذي يتيح لها الحصول على الأغلبية عبر صندوق الاقتراع، لتفرض على الشعب الجزائري تفسيراتها المتزمتة للدين، عبر تغيير الدستور وإعلان الجمهورية الإسلامية التي لا يتوقفون عن التبشير بها.

ولأن الجيش الجزائري يدرك ذلك الخطر جيداً، وسبق أن تصدى لإفشاله في تسعينيات القرن الماضي، فلم يكن من قبيل الصدفة أن يوجه الحراك السهام إليه، وأن ترفع الشعارات للمطالبة برحيل قائده، الذي يتولى في أجواء مضطربة إدارة شؤون البلاد، وحماية مؤسسات الدولة من محاولات تدميرها، وإشاعة الفوضى في عملها.

في كتب العلوم السياسية ما يعلمنا أنه لا حرية بلا مسؤولية، ولا حقوق دون القيام بالواجبات، وأن العمل الاحتجاجي المطلبي السلمي، هو وسيلة لهدف، وليس هدفاً في حد ذاته. وفي واقعنا العربي ما يكفي من تجارب مريرة، تقدم أدلة ساطعة على أن الدول التي تغزو الفوضى بنيتها الداخلية، ويستهان بالمخاطر التي تحوط بها، يصبح من شبه المستحيل إعادة بنائها.

يخطئ المشاركون في الحراك الجزائري، إذا ما تصوروا أن التظاهر لما لانهاية، سوف يفضي إلى تحقيق مطالبهم المشروعة، كما يخطئون إذا لم يلتفتوا إلى المساعي الحثيثة للقوى الدينية المتشددة لامتطاء حراكهم لصالح مشروعهم الأيديولوجي الأممي الخاص.

وما يقصر الطريق نحو أهدافهم، هو تكوين هيئة مستقلة لقيادته، وللدخول في حوار مع الجيش، اقتفاءً بالتجربة السودانية، لرسم خريطة مستقبل تقبل بها جميع الأطراف، على أساس الاعتراف المتبادل والعمل المشترك لإعادة بناء الجزائر دولة مدنية حديثة، لا خلط فيها بين الدين والسياسة.

وآنذاك يمكن إقناع الجيش بتأجيل الانتخابات، وتشكيل حكومة انتقالية لمدة ثلاث سنوات، تهيأ فيها الأجواء لتكوين رأي عام ناضج يتسم بالوعي والقدرة علي التمييز الحقيقي بين المرشحين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، إذا كان الهدف حقاً هو مصلحة الجزائر وطناً وشعباً.

Ⅶ رئيسة تحرير جريدة الأهالي المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات