من بيروت إلى بغداد الرسالة واحدة

نعم.. رسالة واحدة تنطلق من الاحتجاجات الشعبية الحاشدة في لبنان والعراق تطالب بالتحرر من سلطة الولي الفقيه في البلدين. تلك السلطة التي رهنت مستقبل البلدين بالدولة الإيرانية عبر ميليشيات الحشد الشعبي في العراق، التي يُعزى إليها قتل وجرح المتظاهرين في النجف.

وفي لبنان اعتدت ميليشيات حزب الله المسلحة على المتظاهرين، واستناداً إليها، لوح «حسن نصر الله» في خطابه الأخير مهدداً بحرب أهلية، إذا ما سقطت حكومة العهد الذي تحكم في صياغته، وما تبع ذلك بطبيعة الحال من خلط بين الدين والسياسة أضفى التقديس المصنوع على نهب موارد الدولتين وإفقارهما.

وأسفر ذلك عن تهديد استقرارهما وتبديد قدرات الشعبين في سياسات ترسخ للتمييز وتنتج البطالة والفقر وتعزز العجز عن التنمية، والفشل في إدارة مؤسسات الدولة بشفافية ونزاهة وكفاءة تستجيب لمتطلبات الحداثة والعصرية.

ولم تكن صدفة أن تندلع المظاهرات في البلدين بعدما اشتدت العقوبات الدولية والأمريكية على إيران، وأضعفت اقتصادها، فباتت طهران تعوض ذلك النقص من ثروات العراق النفطية والمالية، وموارد لبنان المحدودة التي ما كادت حكومته تعلن عن سد العجز في ميزانية الدولة بفرض ضرائب جديدة حتى كانت تلك هي الشرارة التي فجرت غضب اللبنانيين من كل الأعمار والطوائف والمناطق فخرجوا إلى الشوارع والساحات للمطالبة، ليس فقط بحقهم في العيش الكريم، ولكن أيضاً بإسقاط القوى السياسية الطائفية والمذهبية التي سيطرت على زمام الأمور في بلدهم لثلاثة عقود، فبددت موارده بالنهب والفساد تحت راية المحاصصة الطائفية!

يطرحون السؤال الخاطئ من يسألون عن متى يتوقف حراك الشعبين، فالسؤال الآن هو متى تتوقف وترحل تلك السياسات التي جلبت كل هذا الخراب، للعراق الذي كان يعد واحداً من أغنى الدول العربية بثرواته النفطية التي يتم نهبها من الداخل والخارج منذ الغزو الأمريكي له عام 2003، ليتحول منذئذ إلى محمية إيرانية بموافقة أمريكية، وإلى موطن لقواعد عسكرية تضبط إيقاع الأحداث في منطقتنا على مقاس المصالح الأمريكية وحدها، وتدوس على وقع خططها العسكرية كرامة الشعوب وسيادة الدول، وهي ترفع شعارات زائفة عن محاربة الإرهاب الدولي!

قوضت المعاناة الشعبية الممتدة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي شرعية النخب الحاكمة في كلا البلدين، وأفقدتها القدرة على السيطرة على الأوضاع، بعدما عجزت عن إدارة رشيدة للتنوع الديني والمذهبي والعرقي بهما، لسعيها الدائم لتوظيف ذلك التنوع لأهداف المنافسة السياسية للوصول إلى السلطة والسيطرة عليها، وهو مسعى لا يتحقق غالباً دون العسف بالمواطنين والعصف بحقوقهم المشروعة، والتضحية بكرامتهم الإنسانية، التي تؤكد على صيانتها معظم دساتير دول العالم.

فضلاً عن العزلة التي تفرضها مثل تلك الأوضاع على المواطنين فتدفعهم إلى العزوف عن المشاركة في الشأن العام، أو ممارسة الحق في التصويت في الانتخابات العامة لتكرس بذلك نظام المحاصصة الطائفية السائد في البلدين!

تنجح الشعوب في تحقيق أهدافها، بجانب عوامل أخرى، بالتعلم من تجارب الآخرين. وليس ببعيد أن التحركات الشعبية التي جرت في مصر في يناير 2011، ظلت بلا قيادة موحدة تعبر عن مطالبها وتقود التفاوض من أجل تحقيقها، حتى تصدرت جماعة الإخوان المشهد وسطت عليه، وركبته للصعود إلى السلطة.

والتفاخر بأن الحراك الشعبي في لبنان والعراق بلا قيادة من قبل المشاركين بها، وبعض المراقبين لأحداثه، في غير محله، وهو خطر يهدد بنجاح القوى الطائفية المسيطرة في تنفيذ تهديداتها بإحداث فوضى تقود إلى إشعال حرب أهلية، تهدم المعبد على رؤوس الجميع، وتمنح الفرصة للقوى الخارجية بمزيد من التدخل بذرائع شتى بينها حماية الأقليات.

وتشكيل قيادة معترف بها من المشاركين في الانتفاضتين، للحوار مع من يديرون البلاد لتنفيذ مطالبهم، هو خطوة أولى لتحقيقها. إذ إن المراهنة على الصمود في الشوارع والساحات، باتت للأسباب السابقة محفوفة بالمخاطر.

تثبت انتفاضتا العراق ولبنان، وما يجري من خراب وفوضى بدعم دولي لعدد من دول المنطقة، أهمية البحث من قبل النخب العربية، عن نموذج للتحول الديمقراطي يحمي أسس الدولة الوطنية، ويوازن بين الديمقراطية السياسية ذات النمط الليبرالي الغربي -الذي بات يواجه تحديات وجودية في موطنه- والديمقراطية الاجتماعية التي تمنح الدولة دوراً محورياً في إدارة سياسة حمائية، وتقر الاجراءات التي تنحاز لسياسة اقتصادية إنتاجية، تزيد من نسب النمو، وترفع مستوى الطبقات الشعبية ومحدودة الدخل، وتساعدها على الموازنة بين احتياجاتها ودخلها، بما يضمن الاستقرار المجتمعي.

ولا نجاح لمثل هذا النموذج بغير نظام يفصل بين الدين والسياسة، وينحصر دور الدولة في إطاره، في حماية حق ممارسة الشعائر الدينية لكل مواطنيها، وهو المدخل الضروري لمواجهة القوى الدينية المتشددة والداعمة للإرهاب.

وتلك هي الرسالة القادمة إلينا من بغداد وبيروت، فأنصتوا إليها قبل أن يفوت الأوان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات