00
إكسبو 2020 دبي اليوم

حين تنتحر المؤسسات

ت + ت - الحجم الطبيعي

في الفيلم الأمريكي (The Terminal) يجد سائح من أوروبا الشرقية نفسه حبيس مطار في نيويورك بعد أن حدث انقلاب في بلده أثناء سفره، فيُمنَع من دخول نيويورك ليقضي عاماً كاملاً داخل المطار، دون أن تتحرك لحلّ مشكلته سلطات بلده المأزوم، ولا السلطات الأمريكية المتشبثة بقوانينها بقوّة.

لحسن الحظ لم يحدث هذا مع عملاء شركة «توماس كوك» الذين وجدوا أنفسهم عالقين إما في المطارات أو في الفنادق أو في أماكن أخرى من العالم، لأن شركات التأمين وسلطات الدول التي ينتمي إليها هؤلاء العملاء سارعت لاستعادة المسافرين المنتشرين في مختلف بقاع الأرض، والبالغ عددهم 600 ألف شخص.

فكيف ولماذا انهارت شركة بهذا الحجم بعد ما يقارب القرنين من انطلاقتها؟

لطالما كانت «توماس كوك» التي تأسست في العام 1841 رائدة في صناعة السياحة، وبرزت كواحدة من أهمّ شركات السياحة البريطانية وأكثرها تأثيراً على المستوى العالمي، فقد بلغ عدد موظفيها في بريطانيا وحدها تسعة آلاف موظف، ناهيك عن 21 ألف موظف منتشرين في دول العالم، ليقدّموا خدمات السياحة والسفر لما يزيد على 19 مليون مسافر في العام الواحد.

إلى جانب ذلك كانت الشركة تدير عشرات الفنادق والمنتجعات السياحية وشركات الطيران في العديد من دول العالم، لكنها تعرضت للأزمة تلو الأزمة، ولجأت إلى القروض التي أدخلتها في دوامة من الدين وصلت إلى 1.7 مليار جنيه إسترليني.

لم يكن انهيار «توماس كوك» مفاجئاً للخبراء والعاملين في ميدان السياحة والسفر، فقد كان واضحاً أن العقلية الإدارية لمسؤولي الشركة بقيت تراوح في مكانها، وترفض مغادرة القرن التاسع عشر، فيما يشبه كتابة رسالة انتحار، فبمثل هذه العقلية لم تجد الشركة مهرباً من أزماتها المتكررة.

فبعد أن دخلت العلوم الرقمية على خط السياحة، قضت على دور الوسيط في توفير وجهات السفر وبرامج السياحة وغيرها من التفاصيل التي كان يتولاها موظفو مكاتب السفر، وبالنسبة لتوماس كوك هذا يعني توقّف 550 مكتباً عن العمل، لأنّ عمليات الحجز للطيران والإقامة في الفنادق حول العالم أصبحت تدار بكل سهولة عبر شبكة الإنترنت، الأمر الذي استغلّه أصحاب العقول المنفتحة فوضعوا ثقلهم فيه، لينشئوا مواقع إلكترونية متخصصة بتقديم عروض السفر والسياحة، وإبراز الوجهات السياحية، وتقديم المقارنات بين الفنادق والمنتجعات وشركات الطيران، وتوفير خصومات وميزات كثيرة للعملاء.

بعد إدراك التغيرات الهائلة الحاصلة في صناعة السياحة، عمدت توماس كوك إلى تغيير مديريها التنفيذيين، على أمل تغيير سياستها الإدارية، حيث حاول بعضهم مواكبة متطلبات العصر والانخراط في لعبة التكنولوجيا، لكن التغيير لم يكن جذرياً بالشكل الكافي، واستمرت العقلية التقليدية مسيطرة على الشركة، لتجد نفسها بين مطرقة الديون، وسندان العقلية الإدارية الفاشلة.

ديون، ملف البريكست، العالم المتغير، بروز المنافسين، تأزم الأوضاع الأمنية في العديد من الوجهات السياحية، انهيار المنظومة السياحية التقليدية أمام تكنولوجيا المعلومات الحديثة... كلّها عوامل ساهمت في انهيار واحدة من كبريات شركات السياحة العالمية، لكن القشة التي قصمت ظهر الشركة هي العقلية الإدارية غير القابلة للتجدد والتغيير.

مثل توماس كوك، انهارت في السنوات القليلة الماضية شركات أخرى في مجالات مختلفة: شركات طيران، شركات تجزئة، شركات اتصالات، شركات هواتف ذكية.. ولكل منها عوامل وأسباب عديدة أدت إلى إفلاسها وانهيارها، لكن يبقى العامل الأقوى هو فشل الإدارة وتخلفها وضعف القيادة وقصر نظرها لأنها لم تستطع التأقلم مع الواقع التكنولوجي الجديد، فالعالم دخل منذ عقود في حقبة التكنولوجيا الرقمية التي اجتاحت جميع مجالات الحياة، من الصناعة والاقتصاد إلى العلوم والأبحاث، والاتصالات والتجارة والسياحة والإدارة.

ما حدث لتوماس كوك وغيرها من عمالقة الشركات مثل كوداك ونوكيا قد يحدث لأي أمة أو دولة أو وطن أو مؤسسة إذا لم تأخذ بأسباب النهضة والتقدم وصنع المستقبل.

في هذا الإطار نستطيع أن نفخر بالنموذج الإداري الناجح في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي استطاع النهوض بجميع قطاعات العمل في الميدانين الحكومي والخاص، ليواكب ثورة التكنولوجيا الحديثة، فتطور العمل من الشكل التقليدي إلى المرن إلى العمل في إطار الحكومة الإلكترونية، ومن ثم الحكومة الذكية، وبعد ذلك وكما نشهد اليوم أصبحنا نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي الذي بات جزءاً محورياً في العمل الإداري الحكومي، وانتهجه العديد من شركات القطاع الخاص في الدولة، لتثبت دولتنا أنها قادرة على التفوق والبروز على المستوى العالمي، في زمن تنهار فيه منظومات سياسية واقتصادية كبرى.

الزمن لا يتوقف.. فلماذا تتوقف عقليات بعض الأشخاص عند تاريخ ما؟!.. لماذا تبقى متمسكة بأمجاد الماضي دون أن تواكب الحاضر وتنظر إلى المستقبل؟!.. بمثل تلك العقليات الرجعية تكتب شركات كبرى مثل «توماس كوك» رسالة انتحارها.

طباعة Email