الوجه الجديد للإخوان المسلمين

تواجه الدول والمجتمعات خطر التيارات المؤدلجة، التي تحمل أجندات متطرفة، وتسعى للاستيلاء على أنظمة الحكم، وتمهد لذلك بطرق شتى بحسب ما تسمح لها ظروف الواقع، مستغلة شتى الوسائل والطرق التي تستطيع بها الاختراق والتوغل والتجنيد، والبحث عن أي ثغرة أو حصان طروادة للولوج منها، واستعمال طرق التمويه للتوغل هنا أو هناك تحت أي وجه أو من أي بوابة كانت.

ومن أخطر هذه التيارات التيار الإخواني الذي يعج بمخزون ثقافي وفكري سلبي، قائم على رفض الحكومات، ونزع الولاءات، وتجهيل المجتمعات، وإنشاء التنظيمات، والعمل السري في الدهاليز المظلمة، والتشجيع على العمل المسلح وإذكاء الصراعات في مناطق الحروب، واستغلال عاطفة الشباب الدينية للتغرير بهم، وتشويه الدين، والترويج لمفاهيم مغلوطة لا تمت له بصلة.

وقد اتبع هذا التنظيم سياسات عدة لتحقيق أهدافه، ومنها سياسة التخطيط المرحلي، الذي يقتضي وضع الخطط لكل مرحلة بحسب قوة التنظيم وضعفه، وبحسب موقف الحكومات تساهلاً أو تأييداً أو رفضاً، وبحسب ما يحيط بالتنظيم من ظروف تضغط عليه أو تسهل له، قال عبد الله ناصح علوان أحد رموز الإخوان وأقطابه: «التخطيط المرحلي هو عمدة التنظيم، بل هو المنهج الذي يجب أن يسير التنظيم على أساسه» وقال أيضا: «يجب على العاملين حين يضعون للحركة خطتها أن ينظروا إلى طبيعة الظروف التي هم فيها، ووضع الحكومات التي يعيشون تحت حكمها»، فإن كانت الظروف قاسية اتجه التنظيم إلى الحذر والتمويه والمداهنة والتخفي، وإن كانت الظروف متساهلة فالخطة تكون أكثر انفتاحاً وانطلاقاً، ويصرح فتحي يكن أحد رموز الإخوان بأن التربية الأمنية جزء أساسي من واجبات التنظيم لمواجهة الظروف الصعبة التي قد تواجهه، ومن أبرز عناصرها على حد تعبيره: السرية والتكتم، والتخفي والتمويه.

ومن خلال استقرائنا لمنهجية التنظيم وممارساته وما تأسس عليه نرى أنه دائما عندما يستشعر الضغط عليه في دولة ما فإنه يبحث عن وجه جديد حتى يحافظ على مكوناته ورموزه وتأثيره ويتمكن من الاختراق في أي مكان يرى أنه يستحق الاختراق، فهو تارة يلبس عباءة الدين وتارة عباءة السياسة والحقوق والإعلام والثقافة والأدب وغيرها، ويسعى لاختراق التجمعات العمالية والعلمية والثقافية والأدبية وغيرها، قال عبد الله علوان معدداً مهام الإخوان ضمن التخطيط المرحلي الذي ينتهجه التنظيم: «غزو النقابات العمالية والتعليمية والتخصصية»، وقال: «يجب التركيز كل التركيز على تكثير القاعدة، ولا يمكن أن نقول عن القاعدة إنها كثيرة حتى تتغلغل في أوساط المثقفين والعمال والموظفين والأطباء والمهندسين وفي كل البيئات وعلى كل المستويات، وهذه المرحلة من أهم المراحل الفعالة».

فالتنظيم الإخواني كالحرباء التي تتلون بحسب البيئة التي تعيش فيها، فيظهر بوجوه متعددة بحسب ظروف الواقع، ومن هذه الوجوه وجه ليس بجديد بل متجدد، وهو وجه الأدب والثقافة الأدبية، التي تمكنه من اختراق المجتمعات والدخول مع بعض التيارات التي تسلك نفس الطريق وتجمعها بها مشتركات عدة، مثل التيارات الليبرالية، حتى يتمكنوا جميعاً من تبادل المصالح والمحافظة على وجودهم ومكوناتهم، والإبقاء على تأثيرهم ولو ضمن هذه الدائرة التي يطلون من خلالها على المجتمع كأدباء أو مثقفين أو مفكرين إلخ.

إن الأدب الثقافي له دوره الكبير في تعزيز الوعي الإيجابي في المجتمعات، وتنمية العقول وتنويرها، واستقطاب الكفاءات الأدبية الواعية، ولكنه - كغيره من الميادين - معرض للاختراق من قبل التيارات المؤدلجة إذا لم يتم تحصينه، كي لا تصبح الثقافة الأدبية مصدر خطر ونافذة يبث من خلالها أصحاب التيارات تصوراتهم التي يريدون بها إحداث تأثير ثقافي سلبي في المجتمعات سواء بمحاولة التأثير على النخب من مثقفين ومفكرين وأصحاب قرار وغيرهم، أو على مستوى التأثير على عامة الجماهير، ومن يتأمل الساحة الثقافية خلال هذه العقود في كثير من المجتمعات يجد أنها كانت في كثير من الأحيان ساحة تجاذبات وصراعات أيديولوجية لنشر أفكار هذا التيار أو ذاك.

وقد حاول الإخوان استغلال هذا الميدان للترويج لمخزونهم الثقافي السلبي وتمرير أجنداتهم، ولعل أبرز مثال على ذلك أدبيات سيد قطب الذي روج فيها لكثير من الثقافات السلبية الخطيرة من خلال الأسلوب الأدبي الذي كان يستخدم فيه العبارات المطاطة التي تخفي الشبهة بثوب براق وتوقع القراء في الأفكار السلبية عبر مصيدة الأدب المزعومة، وقد أثبت تاريخ الإخوان لدى كل من يعرفهم أن استخدام هذا الوجه يقع ضمن فقه المرحلة بسبب الضعف الذي يواجهه التنظيم، وأنه سرعان ما يُظهر الوجه الحقيقي في حالة التمكن من أذرع الدولة.

إن هذه القضية تحتاج من المتخصصين والخبراء إلى عناية أكثر في هذه الفترة التي يتعرض فيها التنظيم لضغوط وانحسار، ويبحث عن أي متنفس له، حتى يتمكنوا من التصدي لأي نوع من أنواع الاختراقات غير المتوقعة من هذا التنظيم في أي ميدان من الميادين بسبب الوجوه الجديدة التي يتخذها والبوابات المتعددة التي يسعى من خلالها لاختراق المجتمعات، كي لا يأتي يوم يقع فيه المتخصص والخبير والمثقف الإيجابي الواعي في دائرة الندم بسبب غض الطرف عن ذلك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات