تخبط الخطاب الرسمي العراقي

مصطلح «الرثاثة» في عنوان هذه المقالة مستعار بالمعنى السياسي الذي ورد في كتاب «الرثاثة في العراق أطلال دولة.

رماد مجتمع»، كتاب قام بتحريره فارس كمال نظمي وأسهم في كتابته عشرون كاتباً عراقياً متخصصون في حقول السياسة والتأريخ والتراث والأدب والفلسفة وعلم النفس.

لن أدخل دهاليز اللغة اللا نهائية للبحث عن هذا المصطلح وتأريخ دخوله المعجم السياسي بل سأكتفي بالإشارة إلى معناه الأكثر شيوعاً، «الرث هو القديم البالي»، كما ورد في شعر معروف الرصافي حين وصف حال فتاة فقيرة «لقيتها ليتني ما كنت ألقاها /‏ تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها /‏ أثوابها رثة والرجل حافية /‏ والدمع تذرفه في الخد عيناها».

في عالم الفكر يكتسب هذا المصطلح معنى آخر لا يشير إلى صفة شيء مادي، «الرثاثة» هي اليباس في الفكر والفلسفة، فاقة في الرؤى والتفكير وبؤس في الطروحات ودلالاتها.

يسود الساحة العراقية بعد موجة الغليان والانفجار الشديد الذي شهدته شوارع وساحات معظم المدن العراقية في الوسط والجنوب منذ الأول من أكتوبر الجاري هدوء حذر تتخلله صيحات غضب وتجمعات احتجاجية تهدد بعودة الغليان إلى مستوى أكثر خطورة قد لا تستطيع الحكومة مواجهته.

حيث استنفدت جميع الوسائل المتاحة لها وفق الدستور وتجرأت على خرقه بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين وسقوط ما يزيد على المئة قتيل وأكثر من ستة آلاف جريح في سابقة لم تتكرر في مواجهة أية مظاهرة سلمية منذ ما يعرف بوثبة كانون عام 1948 احتجاجاً على معاهدة بورتسموث التي أزمعت حكومة صالح جبر في حينه إبرامها مع بريطانيا.

المعالجات التي عمدت إليها حكومة عادل عبد المهدي ارتجالية: منح الرواتب لمدة ثلاثة أشهر للعاطلين عن العمل وتعيين عشرات الآلاف في مؤسسات الدولة المتخمة والمترهلة أصلاً وتوزيع الأراضي السكنية ومنح تسهيلات في القروض للبناء وغير ذلك.

وهي إجراءات من الصعب أن تثمر عن نتائج إيجابية فليس هناك أية جدوى اقتصادية منها أما الجدوى السياسية فسوف نرى بعد حين بأنها شبه معدومة بل مضرة، لأن العراق ليس في وضع مالي يسمح بذلك، فهو مثقل بالديون أمام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي العراقي وثلاثة بنوك حكومية أخرى وعدد من البنوك الأهلية ومدين لثماني عشرة دولة في أوروبا وشرق آسيا ولبعض دول الخليج العربي.

فإيرادات العراق لا تكفي لتغطية الميزانية التشغيلية على هيئة رواتب الموظفين والمتقاعدين وتسديد فوائد وخدمات القروض التي تصل حوالي 15% من الميزانية. فمنذ العام 2003 هناك نسبة قد تصل إلى 25% من الميزانية تسدد عن طريق القروض، وذلك بسبب الفوضى في السياسات الاقتصادية والفساد المستشري في معظم هياكل الدولة.

لم يعد بالإمكان نفي حصول التجاوزات على المتظاهرين، فقد شهد العالم كله ذلك، ولا يمكن الادعاء بأنها تصرفات فردية من بعض المنتسبين للقوات الأمنية أو المندسين، فهناك المئات إن لم تكن الألوف من الفيديوهات الميدانية توثق ذلك.

التخبط في مواقف المسؤولين والتصريحات التي صدرت عنهم في معالجة تداعيات التظاهرات تعكس مدى الرثاثة والتهافت الذي وصل إليه الخطاب السياسي العراقي، المجال لا يتسع للدخول في تفصيلات كثيرة إلا أننا سنكتفي بذكر مثالين على ذلك. أولهما ما صرح به رئيس هيئة الحشد الشعبي والمستشار لشؤون الأمن القومي حين خرج ليعلن أن الأجهزة الأمنية أجهضت مؤامرة تستهدف النظام الديمقراطي!

متجاهلاً الخروقات التي ارتكبتها هذه الأجهزة لحقوق التظاهر التي يكفلها الدستور للجميع. إن كان هؤلاء الشبان ينفذون مؤامرة وأن أجهزته القمعية قد أجهضتها، فلماذا تعلن الحكومة الحداد لثلاثة أيام على مقتل هؤلاء المتآمرين وتعد بأنها ستعامل قضاياهم كما تعامل قضايا الشهداء.

أما الثاني فهو ما صدر عن رئيس الوزراء حين أعلن عن تشكيل لجنة تحقيقية عليا تضم الوزارات المختصة والأجهزة الأمنية وممثلين عن مجلس القضاء الأعلى ومجلس النواب ومفوضية حقوق الإنسان، مضيفاً «إن تشكيل اللجنة يأتي استجابة لخطبة المرجعية الدينية العليا ليوم الجمعة».

رئيس الوزراء يتحدث بلسان دولة لا مؤسسات فيها تديرها المرجعية الدينية التي أصبح الالتزام بما يرد في خطبها الأسبوعية بديلاً عن الالتزام بنصوص الدستور!

Ⅶ كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات