تونس تنتظر

بفوز الأكاديمي الحقوقي المحافظ قيس سعيد (61 عاماً) على منافسه رجل الأعمال والإعلام نبيل القروي بمقعد الرئاسة التونسية، وحصول حركة النهضة الإخوانية على أعلى المقاعد في الانتخابات التشريعية، تدخل تونس مرحلة الانتظار والترقب، لما ستسفر عنه التجاذبات والمساومات والتحالفات التي من شأنها أن تشكل الخريطة السياسية الجديدة لقيادة البلاد في الفترة المقبلة وتحدد الموقع الذي سترسو فيه سفينة تونس على شواطئ الساحتين العربية والدولية.

في المناظرة بين المتنافسين على الرئاسة قبل يومين من التصويت عليها في الجولة الثانية أظهرت لغة الجسد بعضاً من صفاته، حيث بدا«قيس سعيد» خطيباً مفوهاً ينظر إلى لا شيء وهو يتكلم، كأنه لا يخاطب فقط محاوريه أو جمهور الناخبين، بل يتحدث إلى مجهول، أو ربما يخاطب السماء أو التاريخ، مالكاً لناصية اللغة العربية، لا يخلو حديثه من مشاهد استعراضية، ومن شعبوية، وشعارات جماهيرية قد تكون جذابة، كوصفه لكل من يتعامل مع إسرائيل بأنه «..خائن ويجب محاكمته بتهمة الخيانة العظمى»، ومطالبته بتجريم التطبيع بالقانون، وهي قضية قد تعني الناخب التونسي، لكنها ليست على رأس أولوياته.

كما أنه بالغ فيها بهدف انتخابي بحت، هو إحراج منافسه في المناظرة، الذي تم اتهامه بالالتقاء بضابط إسرائيلي، في غمار حملته الرئاسية !

أما ما لفت نظر كثيرين غيري، فهو أن الرجل لم تظهر له في المناظرة أو خارجها أثناء حملته الانتخابية، أية صورة وهو يبتسم، وهو أمر شكلي بطبيعة الحال، لكنه يبعث برغم شكليته، برسالة سلبية، تسعى لإقران الجدية بالجهامة، وهو مسعى إذا ما ارتكنا إلى الحس السليم، يعد في غير موضعه.

ينطوي الفوز الكاسح بالرئاسة لقيس سعيد على عدد من المفارقات اللافتة للنظر، بينها أن الرجل مستقل ولا ينتمي كما قال لأي حزب أو حركة سياسية، بل هو تباهى بذلك معتبراً إياه أحد أهم أسباب فوزه، بما يجعل التساؤل مشروعاً، عن مدى استقامة ذلك الاستقلال مع بلد يقوم نظامه السياسي على التعددية الحزبية، ويتخذ من النظام البرلماني القائم على مبدأ الفصل بين السلطات، والمسؤولية التضامنية أمام البرلمان للحكومة التي يشكلها الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية، قاعدة لذلك النظام.

المفارقة الأخرى أنه أكاديمي في القانون الدستوري غير معروف، ولم يسبق له العمل السياسي أو التنفيذي، كما كان الحال مألوفاً منذ العهد البورقيبي وحتى بعد سقوط نظام بن علي، حيث كان يشغل المواقع التنفيذية المؤثرة، نخب سياسية وثقافية وتكنوقراطية معروفة للوسط السياسي، ومدربة على قيادة دولاب الدولة، بطرق تحافظ على استقراره واستمراره ومراكمة إنجازاته.

يضاف إلى كل تلك المفارقات، أن القاعدة الجماهيرية لقيس سعيد، هي من الشباب من تلاميذه ربما، وغيرهم من العناصر الشابة غير الحزبية، والتي ينسب إليها، افتقادها للثقة في النخب السياسية القائمة.

وتلك ظاهرة لا تقتصر على تونس وحدها، بل عرفتها بعض الديمقراطيات الغربية الراسخة مثل فرنسا على سبيل المثال التي تراجعت فيها الأحزاب التقليدية لصالح تشكيلات جديدة، لكن الفارق بين التجربتين كبير.

ففي التجربة الفرنسية التي يقوم النظام السياسي فيها على الخلط بين النظامين الرئاسي والبرلماني، يتحقق فيها التوازن السياسي بين السلطات لصالح سلطة الرئاسة المركزية التي يقضي بها دستور البلاد منذ عام 1958.

كما يحظى القضاء والصحافة والإعلام ومجالس البلديات المنتخبة بالاستقلال.

بينما يعجز النظام البرلماني في الديمقراطيات الناشئة مثل تونس، عن إحداث ذلك التوازن.

وبقراءة سريعة لنتائج الانتخابات التشريعية يتبين أن البرلمان الذي تبلغ مقاعده 217 مقعداً، يحتاج لتشكيل الحكومة إلى 109مقاعد، حازت فيها النهضة على 52 مقعداً بخسارة 17 مقعداً عن انتخابات 2014، وتجري مفاوضات الآن مع 30 قائمة حزبية ومستقلة، لتكوين التحالف القادر على تشكيل الحكومة الجديدة، التي يرجح أن تكون برئاسة راشد الغنوشي.

وتلك حلقة جهنمية تدور فيها تونس منذ ثماني سنوات، بسبب التشتت السائد بين الأحزاب والتحالفات السياسية، وللضعف الذي يحيط منصب الرئيس بنصوص دستورية.

يفخر «قيس سعيد» بأنه مستقل وغير حزبي، ومع ذلك يستخدم خطاب جماعة الإخوان في تونس وفي خارجها، حين يعلن معارضته للمساواة في الميراث، ويلوح بتعديل الدستور، ويرفض الاعتراف بما يعرف بالدولة المدنية أو الدينية، أو بسعيه لعمل تحالفات حزبية في معركته الرئاسية، وهي كلها أمور لا تعكس فقط نقصاً في الخبرات السياسية، بل تعكس كذلك تأكيداً لميله للتيار الديني المحافظ الذي تمدد في الساحة التونسية في السنوات الأخيرة، ويعرقل خطواتها التنموية والسياسية، بتمسكه بالإقصاء والاستحواذ!

ولم يكن وصفه للنظام المصري بالنظام الانقلابي، سوى تأكيد صريح بأنه حزبي وغير مستقل، إذ لم يعد هناك من يصف بالانقلاب، إسقاط الشعب المصري لحكم المرشد، سوى جماعة الإخوان وأعوانها في تونس وقطر وتركيا.

وحتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود خلال الأيام القليلة القادمة، ستبقى تونس تنتظر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات