جنون الاستقرار

القابض على الاستقرار في بلاده هذه الأيام كالقابض على الجمر. والمحافظ على سير التفاصيل الحياتية الصغيرة سيرًا أقرب ما يكون إلى الطبيعي يستحق التبجيل. والقادر على الإبقاء على حدوده مؤمّنة ومؤسساته عاملة وسلطاته مسيطرة هو قائد دولة جدير بالاحترام والإعجاب.

وأعجب ما في منطقتنا الفارضة نفسها على أشرطة الأخبار العاجلة البعض من أصحابها وسكانها ممن يعتبرون جهودهم المضنية لسكب الزيت على النار، وتهييج الرأي العام، والتأكد من أن الفتنة أعيد إشعالها كلما همدت قليلاً جهادًا في سبيل الله، أو نصرة لدين ما، أو ترجيحًا لكفة الخير والرخاء.

والمثير أن نكون في العام الـ19 من الألفية الثالثة، حيث مصادر لا أول لها أو آخر من المعلومات، ومنابع لا حصر لها من التحليلات والشروحات، ناهيك عن النعمة الإلهية المسماة «العقل» وقدرته الفذة على التفكير والفهم والربط والتعقل، ورغم ذلك يصر البعض على البقاء في مستنقع التضليل.

مستنقع التحركات الأخيرة في منطقتنا «العربية» يشير إلى اعتداء واضح صريح لا ريب فيه لدولة على دولة أخرى. وإذا كان التاريخ حافلاً بالاعتداءات، والجغرافيا شاهدة على الاحتلالات، فإنه أيضًا حافل وشاهد على ردود الفعل المنطقية والطبيعية لذلك. جهود رد الاعتداء، خطوات معاقبة المعتدي، إجراءات وقف المزيد من الإجرام، إغاثة المعتدى عليه، بذل الجهد لتسليط الضوء السياسي والإعلامي والحقوقي والأخلاقي على الاعتداء وتوضيح آثاره وغيرها من ردود الفعل، بدت وكأنها تبخرت في الهواء.

هواء المنطقة مسموم في مناطق عدة. فبينما تركيا تشن عدوانها على شمال سوريا وشرقها، أمريكا تمهد لها قبل العدوان بإعلان سحب القوات الأمريكية مع تنويه بأنها (تركيا) لو لم تلتزم حدودها في العدوان!! فإنه سيتم سحق اقتصادها! وتمضي التجهيزات على قدم وساق، ويقع العدوان الموعود. وبينما «العالم» العربي يتحسس طريقه، فتبادر قيادات الدول التي مازالت تحتفظ برجاحة عقل ومنطق متماسك تندد بالعدوان كخطوة أولى، إذ بقطر تعلن دعمها «الجيش المحمدي» (هكذا أسماه الرئيس التركي أردوغان) في مهمته التي تم تجييش أئمة المساجد للدعاء لها بالتوفيق وللمصلين الأتراك وبعض الجنسيات الأخرى المقيمة في تركيا لترديد آمين.

«تأمين الحدود حق أصيل» هكذا قالت إيران تعليقًا على ما سمّي «نبع السلام» معربة عن موقف ظاهره صلب محتواه رخو. فالاعتداء مرفوض، لكن موقف تركيا يتفهمه قادة إيران. موقف مشابه تتخذه روسيا، حيث تأرجح بين الدعوة للحوار وحل المعضلات عبر الأروقة السياسية، وإشارة إلى أن موسكو لن تستطيع عرقلة العملية التركية بالقوة، لأن ذلك يعني ضرب «صيغة أستانا»، التي تشارك فيها روسيا مع تركيا وإيران.

ويمعن المشهد في حدته الهزلية وقسوته الكوميدية حيث يرفض أردوغان إدانة كل من السعودية ومصر للاعتداء التركي الغاشم على الأراضي السورية.

ولأن شر البلية ما يضحك، فإن أردوغان لم يجد حرجاً في أن يشرح للعالم كيف أن «نبع السلام» ليست اعتداء، بل مساهمة في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية مع خالص الود لـ«الأخوة الأكراد». كما أن هذا النبع جاء ليعيد إرسال إرهابيي داعش (الذين حاربهم وكسر شوكتهم الأكراد المعتدى عليهم) من حيث أتوا، أي إلى فرنسا وألمانيا وهولندا وغيرها من الدول الأوروبية التي يقول أردوغان إنها صدّرت الدواعش للمنطقة.

غلنار أيبت مستشارة أردوغان قالت في لقاء على «سي إن إن» إن تركيا وأمريكا على وفاق واتفاق في شأن العملية العسكرية، وأن كليهما يعلم أن «هؤلاء المقاتلين الأجانب من أوروبا عليهم العودة إلى الدول التي أتوا منها».

مصير نحو عشرة آلاف داعشي في سجون شمال سوريا تحت إدارة الأكراد (الذين كانوا حلفاء لأمريكا حتى أيام قليلة مضت) ليس معروفًا. هل يتوجهون (أو ربما توجه بعضهم بالفعل) صوب دول أوروبية؟ أم تجدهم يتسللون إلى دول عربية مجاورة؟ هل يعاودون توحيد صفوفهم لتنفيذ مخطط جديد في المنطقة؟ هل يمكن تسمية العدوان «نبع تحرير الدواعش»؟ العجيب والغريب والمريب أن الجانب الأكبر من الكوكب يتظاهر بأنه يجهل أن تركيا كانت دولة المرور المعتمدة لمحاربي داعش والنصرة والقاعدة للوصول إلى سوريا.

وفجأة يُطمس إسم «غازي عنتاب» من الذاكرة الأممية، هذه المدينة التركية (التي كانت قبل عقود جزءًا من سوريا وكان اسمها عنتاب إلى أن قررت تركيا إضافة اسم غازي لها) والتي أصبحت معبرًا آمنًا لمرور الدواعش، وإمدادهم بما يحتاجونه قبل دخول الأراضي السورية.

أليست هذه المجريات المجنونة والتي لم تصل مرحلتها الأخيرة بعد مدعاة لتبجيل وتكريم وتدعيم كل دولة من دول المنطقة مازالت قادرة على الحفاظ على وحدة أراضيها، واستقرار أوضاعها، وتوفير حياة آدمية لشعوبها؟

* كاتبة صحفية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات