مصر من شبه دولة إلى دولة

الهجوم المتلاحق على الدولة المصرية منذ أسابيع عدة، والذي تقف وراءه جماعة الإخوان الإرهابية والإعلام المُعادي لبعض الدول، يذكرنا بقول الزعيم الراحل عبد الناصر الذي ينصرف معناه إلى أن هجوم القوى الاستعمارية على مصر وقيادتها في هذه الفترة، يؤكد أننا نسير في الطريق الصحيح، فلم يكن يدور بخلد هؤلاء ولا مخيلتهم المريضة أن الدولة المصرية ستتعافى على هذا النحو، وتحقق المزيد من الإنجازات على كل صعيد، في مواجهة الإرهاب والتنمية والتحديث والتصنيع والعمران والبناء في كل ربوع مصر، لقد طال هذا الهجوم أقوى المؤسسات وأكثرها رسوخاً ومهنية، ألا وهي المؤسسة العسكرية التي تسبق المجتمع بحكم مهنيتها ومتابعة الفنون العسكرية والتكنولوجية، وتعتبر العمود الفقري للدولة المصرية.

لا يعرف هؤلاء حقيقة الدولة المصرية في حياة المصريين، فهي مصدر العمران والبناء والحضارة منذ القدم، وهي التي تحمي المجتمع من فيضان النهر وعدوانه، وتقيم السدود والمنشآت والكباري، فهي الضرورة التي لا غنى عنها لاستمرار الحياة والأمن والعمران، حتى شكاوى المواطنين من بيروقراطيتها الإدارية، وشعور المواطن بالوحدة في مواجهة الآلة البيروقراطية للدولة المصرية، لم يخل من مآثر، اكتشفها المصريون في تاريخهم الحديث أكثر من مرة، عندما نسب الكثير من علماء الاجتماع للبيروقراطية المصرية الفضل في إبطاء سياسة الانفتاح الاقتصادي «السداح مداح»، وحافظت البيروقراطية على العديد من المنجزات التي تحققت في الفترة التي سبقت هذا الانفتاح، وكذلك عندما استطاعت ثورة 23 يوليو 1952 أن تطوع الجهاز الإداري للدولة المصرية لتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها واستعانت به في إنجاز الأهداف والقيم التي بشّرت بها الثورة، كما أنه لا يمكن تجاهل دور البيروقراطية المصرية في الحفاظ على الدولة وأبنيتها أثناء ثورة 30 يونيو عام 2011، وتداعياتها حيث استمرت البيروقراطية في تقديم كل الخدمات للمواطنين، واستمر دولاب الدولة المصرية في العمل أثناء هذه الاضطرابات، واحتفظ بتماسكه وقاوم حتى استقرار الأوضاع رغم المحاولات الدؤوبة من قبل القوى المعادية للدولة والوطن لمحاصرة المؤسسات ومقارها وتعطيل عملها وأدائها.

لقد استعادت دولة الثلاثين من يونيو مكانة الدولة المصرية ووضعها في موضعها الصحيح في حياة المصريين، واستطاعت أن تقتحم العديد من المجالات الاقتصادية والصحية والتعليمية، التي لم تجرؤ الدولة على الدخول فيها؛ الإصلاح الاقتصادي وإعادة هيكلة الموارد، واهتمت بصحة المصريين والموارد البشرية «حملة 100 مليون صحة» والتأمين الصحي الشامل على مراحل وتحديث التعليم، وغيرها من المجالات التي تدعم الاقتصاد والمجتمع على حد سواء والسير بهما ومعهما في الطريق الذي يفضي إلى النمو والتنمية المستدامة على غرار الدول النامية الصاعدة في آسيا وأمريكا اللاتينية.

الذين يقفون وراء ذلك الهجوم المنظم على الدولة المصرية ومؤسساتها خاصة المؤسسة العسكرية لا يدركون أن الدولة المصرية حتى الآن وحتى إشعار آخر، هي الفاعل الأكبر في المشهد الوطني والمجتمعي، ذلك أن كل التغييرات الكبرى في حياة المصريين جاءت من الدولة وبمبادرة منها، يصح ذلك في دولة محمد علي وعبد الناصر وما بينها ودولة الثلاثين من يونيو، فجميع الأفكار الإصلاحية الكبرى كان من الممكن أن تبقي حبراً على ورق ما لم تتلقفها الدولة المصرية وتحولها إلى واقع ملموس في حياة الشعب المصري.

يصدق ذلك على مجانية التعليم واعتباره كالماء والهواء، كما يصدق على الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين المعدمين والأجراء، وتمكين المرأة والمساواة بينها وبين الرجل، وينسحب ذلك على العديد من الأفكار التي دخلت في قلب التطور السياسي والاجتماعي لمصر الحديثة، ويقف وراء هذا الأمر مركزية الدولة في حياة المصريين، باعتبارهم أصحاب أول دولة مركزية في التاريخ، والدور الذي أنيط بها على مر العصور للحفاظ على أمن المجتمع وسلامته وتقدمه.

انتقلت الدولة المصرية بعد الثلاثين من يونيو عام 2013 من مرحلة شبه الدولة كما ذكر الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مرحلة الدولة الحقيقية الحديثة؛ ففي العام الأسود الذي حكم فيه الإخوان أصيبت مؤسسات الدولة بالعطب، وتم الالتفاف حولها لخلق مؤسسات بديلة لها على مقاس الإخوان وتفكيرهم الأيديولوجي الضيق، وتم حصار العديد منها بهدف التشكيك في فاعليتها ونزاهتها وضرورتها تمهيداً لإعادة تشكيلها وفق أهوائهم، أما في مرحلة ما قبل 25 يناير عام 2013، فكان ثمة العديد من المؤسسات التابعة للدولة تزعم الحداثة وأنها حديثة، وهي في الواقع لم تكن سوى واجهة فقط في حين أنها من الداخل تكاد تكون خاوية على عروشها، وتنتمي طرق العمل بها إلى ما قبل الدولة الحديثة، وتفتقر إلى الإمكانيات، مؤسسات وبنى لا تحمل من الحداثة إلا اسمها فقط، هذه المرحلة من تطور الدولة المصرية اتسمت بضعف الأداء والفاعلية وغياب المعايير والرؤية، والتركيز على المسمى دون المحتوى والاكتفاء بالواجهة والمحاكاة، أي محاكاة مؤسسات الدولة الحديثة، وإذا كان ثمة استثناء من هذا الأمر فإنه يتمثل في المؤسسة العسكرية والقوات المسلحة، التي حافظت على مهنيتها وتماسكها ومعاييرها وتقاليدها المهنية في كل الظروف، وتمكنت من أداء المهام المنوطة بها في الدفاع عن الدولة والوطن والحدود والشعب في كل الظروف والملابسات، وخرج من بين ظهرانيها قادة عظام على غرار أحمد عرابي وعبد الناصر وعبد الفتاح السيسي الذين تبنوا مطالب شعبهم وفق أفق المرحلة التاريخية التي ظهروا فيها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات