ترامب.. والسياسة الأمريكية في سوريا

قرار الرئيس الأمريكي ترامب بسحب القوات الأمريكية من المناطق السورية المجاورة للحدود التركية لن ينفّذ بشكل كامل حسب تقديري. فالقرار المشابه لترامب في العام الماضي جرى التراجع عنه بعد حملة مضادة له في داخل الولايات المتحدة اشترك بها قادة كبار من «الجمهوريين» في الكونغرس ومؤسسات إعلامية محافظة تدعم الرئيس ترامب عادة.

لكن الأساس في تراجع ترامب عن قراره في العام الماضي كان موقف «البنتاغون» ووزير الدفاع السابق جيمس ماتيس الذي استقال لاحقاً احتجاجاً على سياسة ترامب في سوريا.

فبينما يجد «البنتاغون» مصلحة أمريكية كبيرة في استمرار الوجود العسكري الأمريكي في سوريا بعدما كان هذا البلد حكراً على النفوذ الروسي لعقود طويلة، يتحجج ترامب بأنّه ملتزم بتعهده في الحملة الانتخابية بسحب القوات من سوريا وبأنّه يريد تنفيذ هذا الوعد الانتخابي.

لكن لا أعتقد أنّ هذا هو التفسير الحقيقي لموقف ترامب بل ربما السبب المخفي هو تعهدات ترامب للرئيس الروسي بوتين وللرئيس التركي أردوغان بفعل ذلك خلال التواصل الذي كان يحدث مع أنقرة وموسكو إبان الحملة الانتخابية في العام 2016 من خلال «مايكل فلين» الذي اعتمده ترامب لكثير من القضايا مع روسيا وتركيا ثمّ جعله مستشاراً لشؤون الأمن القومي بعد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة.

الجنرال السابق «مايكل فلين» أدانته أجهزة المخابرات الأمريكية بتهمة التواصل مع السفير الروسي السابق في واشنطن وتعهده له برفع العقوبات المفروضة على موسكو بسبب أحداث أوكرانيا، وذلك قبل تسلّم ترامب مهام الحكم في «البيت الأبيض»، وفي ظل الإجراءات التي اتخذتها إدارة أوباما ضد الدبلوماسيين الروس في أمريكا، مما دفعه للاستقالة من منصبه المهم.

أيضاً، كان «مايكل فلين» مسجلاً لدى الحكومة الأمريكية كـ«عميل» لتمثيل مصالح تركية في الولايات المتحدة، وكان ترامب قد تعهد من خلاله بأنه سيحسّن العلاقات مع أنقرة في حال فوزه بالرئاسة بعدما ساءت العلاقات معها خلال فترة حكم الرئيس أوباما.

لذلك، أشكّ كثيراً أن يقدم «البنتاغون» على تنفيذ رغبات ترامب في سوريا أو في تحسين العلاقات مع تركيا، فالأمر يرتبط بمصالح الدولة الأمريكية وبالأمن القومي الأمريكي، وهذا سبب ما نراه الآن من ردود فعل ناقدة لقرار ترامب من قبل أصوات «جمهورية» ومحافظة فاعلة في التأثير على القرارات النهائية لترامب، وهو ما حدث في العام الماضي بشأن سوريا وما يحدث الآن في مسألة أزمة العلاقات مع كوريا الشمالية، حيث لا تتناسب رغبات ترامب أيضاً مع رؤى المؤسسات الفاعلة في صنع القرارات الأمريكية.

حبذا لو يقرر ترامب، وكذلك تركيا وكل الأطراف الإقليمية والدولية المتورطة في الأوضاع السورية أن تسحب قواتها وأن تسارع في المساهمة بعودة الاستقرار على كل الأراضي السورية، ومن خلال الدولة السورية وحدها، وبالتأكيد على وحدة وسيادة الوطن السوري بغض النظر عن الخلافات والتباينات بين من يحكم ومن يُعارض من فئات الشعب السوري.

لكن مشكلة سوريا في السنوات الماضية لم يكن فقط سببها التدخلات الخارجية بل أيضاً استخدام العنف الشديد غير المبرر من جهات حكومية وأخرى معارضة مما هدّد وحدة الوطن وشرّع الأبواب أمام جماعات التطرف والإرهاب وكل أنواع التدخل الأجنبي.

طبعاً لا يمكن تجاهل حقيقة أنّ درجة العنف في الأوضاع السورية كانت انعكاساً لحدّة أزماتٍ أخرى، مترابطة كلّها بعناصرها وبنتائجها وبالقوى الفاعلة فيها، إذ هل يمكن فصل الأزمة السورية عمّا حدث في مطلع القرن الجديد من أوّل احتلالٍ أمريكي لبلدٍ عربي (العراق)، حيث كانت سوريا معنيّة بأشكال مختلفة بتداعيات هذا الاحتلال ثمّ بدعم مواجهته؟ وهل يمكن نسيان أنّ «القاعدة»، وهي الأم التي وُلِدت من رحمها «داعش»، قد ظهرت في العراق ثمّ في سوريا كمحصّلة لنتائج الاحتلال الأمريكي لبغداد؟

هل كان حقّاً الهدف من التغيير المنشود في سوريا هو في نظامها السياسي الداخلي فقط، أم أنّ الهدف الكبير المهم كان فصم العلاقة بين سوريا وإيران من جهة، وبين دمشق وموسكو من جهةٍ أخرى؟!

ليس أمام واشنطن الآن بدائل مفيدة للمصالح الأمريكية في حال فشل محاولات انتشار الدولة السورية على كل الأراضي من خلال تسوية سياسية للأزمة السورية. أي هل سيكون الخيار البديل هو مزيد من التصعيد العسكري في سوريا، تمتدّ شرارات نيرانه إلى دول أخرى كلبنان والعراق وباقي دول المنطقة؟

وهل لواشنطن وموسكو والقوى الإقليمية الكبرى مصلحة في هذه الحروب؟! وأيضاً في إعادة إحياء خطر الإرهاب الداعشي على العالم كلّه؟ أم سيكون الاحتمال، في حال الفشل بتحقيق تسوية سياسية للأزمة السورية، هو استمرارها وأزمات المنطقة على ما هي عليه؟ لا أعتقد أنّ هذا ممكن، ولا أرى أنّ هناك مصلحة أمريكية وروسية وعربية في استمرار التأزّم الأمني والسياسي الحاصل في سوريا.

لذلك كلّه، تتأكّد الحاجة الآن لتسوية سياسية في سوريا رغم تباين مصالح الأطراف الإقليمية والدولية المتورطة فيها، وستكون العقبة الكبرى أمام أي صيغة تسوية سياسية جادّة للأزمة السورية هي في جماعات التطرّف المسلّحة على المستوى الداخلي.

هناك متغيرات بلا شكّ تحدث الآن في أزمات المنطقة العربية، لكنّها متغيرات دون حسمٍ للاتجاه الذي تسير فيه.. أي أنّ هذه المتغيّرات العربية تحدث الآن باتجاهات مختلفة، وليس لها مستقرّ واحد يمكن الوصول إليه.

فجملة عوامل تتفاعل الآن، بعض هذه العوامل هو نموّ طبيعيّ في مجتمعات الأمَّة، وبعضها الآخر هو مشاريع من الخارج يراهن على حصادٍ خاصّ يتناسب مع مصالحه التي قد تتطلّب تغيير خرائط وكيانات وليس أنظمة وحكومات فقط!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات