صحف الشعب الإلكترونية

منذ أن أتحفتنا التكنولوجيا الحديثة بشبكة الإنترنت وما نتج عنها من تطوّر هائل في وسائل الاتصال والتواصل، تحوّل العالم بأكمله ليس إلى قرية صغيرة، بل إلى ما يشبه علبة صغيرة يمكن وضعها في الجيب.. أجل، العالم اليوم يمكن أن يوضع في الجيب، عبر جهاز الهاتف الذكي الذي يتيح الاتصال بشبكة الإنترنت، والدخول السريع إلى محركات البحث ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي.

انتشرت شعبية وسائل التواصل الاجتماعي حتى أصبحت نوعاً من وسائل الإعلام الحديثة الأكثر انتشاراً بين مختلف فئات وشرائح المجتمع، ولا سيّما شريحة الشباب، الأمر الذي جعلها وسيلة للوصول السريع إلى هذه الفئة، واستغلالها من قبل قادة الرأي لغايات ليست بريئة في بعض الأحيان.

وقد أخذت مواقع التواصل مكانها بين مصادر الأخبار مثلها في ذلك مثل الإذاعة والتلفزيون إن لم يكن أكثر، حيث يعتمد عليها في الحصول على المعلومات السريعة والآنية، وهي - وإن كانت غير موثوقة المصادر - إلّا أنّها حقّقت تأثيراً جماهيرياً عالياً، انعكس بشكل مباشر على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والأمنية، بل إنه استخدم في العديد من الحالات لتجييش الشعب وبثّ روح الحماس فيه، في الاتجاهين الإيجابي والسلبي، فيما يشبه نوعاً من غسل الأدمغة لتحقيق مآرب معينة.

واللافت للاهتمام أن هذه الوسائل أتاحت منصات سهلة للتعبير عن الرأي ونشر الأخبار والتحليلات الاقتصادية والسياسية ومناقشة قضايا الوطن والشعب بكل حرية، حتّى تحوّل الآلاف إلى إعلاميين وصحافيين ذوي شهرة واسعة، وامتلكوا متابعين بالآلاف؛ رغم أنهم لم يدخلوا يوماً كلية للإعلام، ولم يخضعوا لدورة تدريبية في الكتابة الصحفية، ودون أن يكون لديهم أرقام وإحصائيات ومصادر موثقة.

وإذا كان الحال كذلك، فلمَ يشغلون بالهم بالدراسة الأكاديمية، طالما أن صحف الشعب الإلكترونية (وسائل التواصل الاجتماعي) تفتح لهم أبوابها وصفحاتها دون قيود أو شروط؟!

فيما مضى كان هواة النشر الصحفي من غير المتخصّصين يعانون الأمرّين ليحصلوا على مساحة زاوية في جريدة أو مجلة، وتخضع حروفهم لتدقيق لغوي ورقابي صارم - في المطبوعات المحترمة بطبيعة الحال - قبل أن تأخذ طريقها للنشر، وهو أمر قد يستغرق عدة أيام وأحياناً عدة أسابيع.

اليوم وبعد تراجع شعبية وسائل الإعلام المطبوعة التقليدية بسبب سيطرة الوسائل الإلكترونية وميزاتها الكثيرة، أصبح هواة النشر الإعلامي أكثر قدرة على الظهور وتحقيق الشهرة ونشر جميع أنواع الكتابات، وتجرأ بعضهم لإضافة لقب ما قبل اسمه يناسب غروره: (الإعلامي، الصحافي، الشاعر، القاص... إلخ) لمجرد أنّه بات منتمياً لإحدى جرائد الشعب.

والظريف أنني أعرف شخصاً غير متعلم وعاطل عن العمل قد أطلق اسم صاحب السمو الأمير على نفسه في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي.

وكي لا يستهجن أحد تسميتها بجرائد الشعب، أودّ التوضيح أن المقصود بذلك هو أن هذه الوسائل متاحة لجميع أفراد الشعب، كبيراً وصغيراً، رجلاً أو امرأة، متعلماً أو جاهلاً، بريئاً أو خبيثاً... لذلك فهي جرائد تحتوي على ما لا يوصف من أنواع الأفكار والفلسفات والمواهب!

وفي الواقع لو تمّ تنظيم وقوننة ومراقبة هذه الوسائل بشكل مدروس لأصبحت أفضل وسائل الإعلام التنموية التي يمكن استثمارها في نشر أفكار بنّاءة وبثّ روح التفاؤل، وإيصال المعرفة في أسرع وقت وأقلّ تكلفة، تماماً كما يرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله؛ فيقول: «وسائل التواصل الاجتماعي هي وسائل للتنمية والمعرفة والابتكار، والاستخدام الإيجابي لها يمكن أن يحرك الشعوب نحو البناء ويحرك العقول والقلوب نحو الائتلاف».

من المؤسف عدم ضبط هذه الوسائل لتكون أكثر فاعلية وفائدة، فهي اليوم تُعامَل من قبل بعض شرائح المجتمع على أنها مجرّد وسائل للتسلية، وتستخدمها شرائح أخرى كبديل قوي وأساسي لوسائل التواصل الإنساني المباشر، فقد باتت العبارات من قبيل: (كل عام وأنتم بخير)، و(جمعة مباركة)، و(رمضان كريم) و(صباح الخير)... مجرد كلمات منسوخة ومكررة لا روح فيها، يتناقلها الأثير لتصل عبر أجهزة جامدة بلا إحساس إلى عشرات الأشخاص في لحظة واحدة، دون تمييز بين أيّ منهم، فيما يشبه اغتيالاً للعلاقات الإنسانية والاجتماعية التي اعتدنا أن نحياها قبل الغزو التكنولوجي.

لم يعد للتزاور في الأعياد والمناسبات والعطلات الأسبوعية وجود في حياتنا، ولم تعد عبارات المحبة والمواساة والأحاسيس الصادقة مسموعة عبر كلمة؛ أو مرئية عبر ابتسامة أو دمعة.. وكأننا تحولنا إلى روبوتات تكرر نسقاً اجتماعياً افتراضياً لا يحمل أي نوع من المشاعر، وأصبحنا رهائن لأجهزة صغيرة تحبسنا بين أزرارها، وخُلق نوع جديد من الإدمان لا يقلّ خطورة عن إدمان المخدرات، هو إدمان وسائل التواصل الاجتماعي.

لذلك ولكي نحمي أبناءنا وأنفسنا من خطر الخضوع لهذه الوسائل، علينا أن نُخضِعها لنا، وأن نستثمرها بالشكل الأمثل عبر وضع قوانين ناظمة لها، تؤطّرها ضمن حدود تحترم قوانين الدولة وحريات الأفراد وإنسانيتهم، وتمنع الإساءة للآخرين والعبث بالأمن والسلم الأهلي.

عندما تصبح وسائل التواصل الاجتماعي مقننة ومضبوطة ومنظمة، يكون مرحّباً بها كجرائد للشعب، ومنصات رائدة للتعبير عن الأفكار والآراء، ووسائل للتواصل الإنساني اللامحدود.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات