دور الإعلام في حماية الأوطان

تواجه الدول والمجتمعات في العصر الحديث نوعاً جديداً من الحروب التي تستهدف أمنها واستقرارها، وهي الحروب الإعلامية الإلكترونية، التي تعتمد على توظيف التكنولوجيا الحديثة لاستهداف المجتمعات، سواء عبر المنصات الإعلامية التقليدية أو عبر أدوات الإعلام الاجتماعي الحديث المتاح للجميع.

وذلك يستدعي وضع استراتيجيات لاستثمار الطاقات في مواجهة هذا التحدي، بل استثمار هذه الفرصة لخدمة الأهداف الوطنية، إذْ يُعتبر الإعلام في عصر الثورة التقنية الحديثة من أهم أبواب حماية الأوطان وتعزيز مكانتها ودعم قضاياها والمحافظة على مكتسباتها.

وتتأكد العناية بهذا الباب مع تعدد الجهات التي تمارس هذه الحروب الإعلامية ضد الدول والمجتمعات، سواء كانت دولاً معادية، أو تنظيمات متطرفة، أو منظمات عالمية، أو أفراداً من الداخل أو الخارج يحملون أجندات دخيلة أو آخرين مخدوعين استُغلت عواطفهم وغُسلت أدمغتهم.

إن أول أدوار الإعلام لحماية الأوطان هو غرس التوعية الإعلامية وبناء مجتمع رقمي يتحلى بأسس وطنية واعية، وتعزيز ما يسمى بالمواطنة الرقمية التي تهدف إلى رفد المستهدفين بقواعد الأخلاق والسلوك والأمان والتثقيف القانوني وممارسة الحرية تحت سقف القانون والقيم الوطنية والاستخدام المناسب والمسؤول للإنترنت والسياسات الوقائية ضد أخطاره، وخاصة منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت سلاحاً ذا حدين، في ظل الاستقطابات المتعددة التي تهدف لإحداث ثورات ناعمة في المجتمعات.

والتأثير على أهم الشرائح فيها، وهي شرائح الشباب والشابات، سواء بتغذيتهم بأفكار دينية متطرفة، أو بتدميرهم ذاتياً بتغذيتهم بأفكار وسلوكيات شاذة كتسويغ الشذوذ الجنسي وكسر الروابط الأسرية وتسويغ الانتحار والتطرف الإلحادي والأيديولوجيات الثورية، بل وتسويغ تعاطي المخدرات باسم الحريات الفردية، والتي تصب في النهاية في تدمير القيم والمبادئ في نفوس الشباب، بما فيها المبادئ الوطنية، وتمزيق صلته بأسرته ومجتمعه ووطنه، وهل هناك خطر أكبر على المجتمعات من تدمير طاقاتها الشبابية سلوكياً وفكرياً؟!

وكذلك محاولة التأثير في ولاء الفرد لوطنه وقيادته ورموزه، وقد يتم ذلك بطرق مكشوفة مباشرة، مثل نشر الإشاعات والأكاذيب الملفقة والمعلومات المغلوطة، لتشويه الدول وقياداتها وسياساتها، وضخ المشاعر السلبية في المجتمعات كالعداء بين الشعب والسلطة وتكريس حالة الإحباط واليأس والاحتقان، وتشويه المنجزات.

وقد يتم ذلك بطرق غير مباشرة، مثل الترويج لمفاهيم سياسية وفكرية من شأنها زعزعة ولاء الفرد لدولته وقيادته، ومن أمثلة ذلك تشويه مفهوم الوطنية، وادعاء أنها نوع من التعصب والتمييز، بحجة النزوع للفكر الإنساني والانتماء للمنظومة البشرية، كما يروجه بعض من يسمون أنفسهم بالإنسانيين، فضلاً عن الشعارات الدينية الأممية المتشددة التي تلغي مفهوم الوطنية، وغير ذلك من مظاهر الثورات الناعمة التي تستهدف زعزعة أمن الدول واستقرارها.

والتي يتم الترويج لها بكثافة في ظل الاستغلال السيئ من قبل البعض للحرب العالمية ضد الإرهاب، وهو ما يستدعي من الإعلام التقليدي والاجتماعي وضع الخطط والبرامج القوية والمؤثرة المرئية والمسموعة والمقروءة لحماية الأوطان من هذه الحملات الممنهجة التي تلبس ألف قناع، وتحتضنها مئات القنوات والمواقع الإعلامية الموجهة، فضلاً عن آلاف الحسابات التي تغذيها في مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن جهة أخرى فإن الاستراتيجيات التي تهدف للارتقاء بالإعلام ليكون على المستوى المنشود في حماية الأوطان يجب أن تنطلق من مبدأ مهم آخر، وهو تحويل التحديات إلى فرص، وعدم الاكتفاء فقط بواجب الدفاع والوقاية، وقديماً قيل: الهجوم خير وسيلة للدفاع، وذلك من خلال استثمار وسائل الإعلام المتنوعة لتكون أدوات تأثير فاعلة، سواء عبر إبراز الإنجازات الوطنية في مختلف المجالات، وإبراز الثقافة المحلية الراقية ثقافة الوسطية والاعتدال والتدين الرشيد والقيم الأخلاقية والتسامح وقبول الآخر والسلام والعمل الإنساني.

ودعم قضايا الوطن في سياساتها الداخلية والخارجية، وتعزيز سمعة الدولة والمحافظة عليها، وإيجاد منصات إعلامية متنوعة داخلياً وخارجياً تخدم هذه الأغراض بما يكافئ حجم التحديات والتطلعات، أو عبر التصدي للجهات المعادية التي تسيء للدولة بإعداد البرامج والمقالات والدراسات وغيرها التي تكشف زيف دعاواها وتسلط الضوء على جوانبها المظلمة التي تدينها، وخاصة أمام المجتمع الدولي، بلغة الحجج والبراهين والأدلة والوثائق.

فعلى سبيل المثال لا نجد هناك دراسات مستوفية تسلط الضوء على جانب الإرهاب الأيديولوجي والفكري لدى الميليشيات الحوثية، وتبرز ذلك للرأي العام وخاصة الخارجي باللغة العربية وغيرها، كما هو الحال بالنسبة للقاعدة وداعش ونظيراتها، مع أن كل هذه التنظيمات في الإرهاب سواء؛ فكرياً وعملياً.

ومما ينبغي العناية به في هذا الباب توجيه الخطاب الإعلامي المناسب للمجتمعات الأخرى، وخاصة المجتمعات غير الناطقة باللغة العربية، وبالأخص المؤثرون فيها كأصحاب القرار ومراكز القوى والمثقفون والإعلاميون وغيرهم، وتوظيف اللغات التي تخدم ذلك، مثل الإنجليزية والفرنسية والروسية وبعض اللغات الآسيوية وغيرها، للتأثير الإيجابي في الرأي العام الخارجي بما يخدم القضايا الوطنية.

إن دور الإعلام في حماية الأوطان كبير، وتطوير استراتيجياته يتطلب جهوداً مستمرة في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، وقد أثبتت دولة الإمارات في مختلف المواقف والمحافل أنها دولة الكفاءات والمواهب الزاخرة التي تسعى باستمرار للارتقاء في مختلف المجالات وتبوؤ الصدارة فيها.

Ⅶ مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات