الهجرة واللجوء

موجات الهجرة على مر العصور أسفرت سيلاً من الفوائد والمنافع للمهاجرين والدول التي هاجروا إليها ومنها. نبغ منهم من نبغ، وأبدع من أبدع، وعمل ونجح وكون ثروات الكثيرون.

وفي عام 2006، تحدث الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي عنان عن الهجرة باعتبارها «تجل ينم عن الشجاعة لرغبة الفرد في التغلب على الصعاب وفي الحياة على نحو أفضل». وأشار إلى أثر عولمة التسعينيات التي أدت إلى زيادة الحراك في المجتمعات وتشجيع الانتقال من مكان إلى آخر، وهو ما أدى إلى إبراز الصلة القوية بين الهجرة الدولية والتنمية.

المثير أن عنان أشار حينها إلى صعوبة الحديث عن الهجرة بين الدول تحت مظلة الأمم المتحدة لحساسية الملف بالنسبة للدول الأعضاء. فالمسألة تمس مكانة الدول وعرض مشكلاتها الداخلية على الملأ. لكن الأوضاع تغيرت وتبدلت وباتت الأمم المتحدة مطالبة من دول عدة حول العالم بالتدخل للمساعدة لحل مشكلات عاتية تتعلق بالهجرة والمهاجرين.

وبعد مرور أقل من عقد ونصف على هذا الحديث المستشعر الحرج، يصدر تقرير أممي قبل أيام تقول أرقامه ومعلوماته الكثير عما آلت إليه أوضاع الكوكب، وجدران الحرج التي أسقطتها الدول، وكيانات الهجرة التي شيدت على أنقاض دول، والتعامل مع ملايين البشر المضطرين للهجرة هرباً من خطر الموت والدمار باعتباره أمراً عادياً لا يستوجب القلق، لا سيما لسكان هذا الجزء من العالم، عالمنا العربي.

العالم العربي وجد لنفسه مكانة متقدمة بعضها حلو والبعض الآخر مر، وذلك في تقرير «أعداد المهاجرين الدوليين 2019» المرتكز على بيانات صادرة عن شعبة السكان في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة. أعداد المهاجرين الدوليين زادوا 51 مليوناً منذ عام 2010 ليصل تعدادهم 272 مليون مهاجر في عام 2019. بمعنى آخر، فإن ثلاثة ونصف في المئة من سكان العالم مهاجرون دوليون، وذلك في مقابل 2.8 في المئة عام 2000.

وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة تركز على الجانب بالغ الإيجابية للهجرة، حيث الدور المهم الذي يلعبه المهاجرون في تنمية بلدان المنشأ والمقصد، إلا أن الجانب غير المضيء هو تلك الهجرة التي أججتها صراعات المنطقة العربية وموجات الربيع العربي المنقلبة خريفاً مرعباً وشتاءً قارساً. وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية ليو تشن مين يتحدث عن «ضرورة تسهيل هجرة الناس وتنقلهم بشكل منظم وآمن ومنتظم ومسؤول، وهو ما من شأنه أن يسهم كثيراً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة».

لكن التنمية لن تكون مستدامة طالما بقيت أماكن الصراع ملتهبة، وبؤر الإرهاب مشتعلة، ومواقع التهييج العقائدي مستعرة. ثمانية ملايين سوري «هاجروا» من سوريا التي لا يتعدى تعدادها 20 مليوناً و200 ألف مواطن.

ولأن الأزمة السورية ما زالت ملتهبة، فإن أحداً لم يتلفت بعد إلى الشتات السوري، والتركيبة السكانية التي اختلفت واختلت تماماً. ويكفي أن «المهاجرين» السوريين موجودون ضمن قائمة البلدان العشرة التي يشكل مواطنوها ثلث المهاجرين الدوليين في العالم.

التقرير الأممي لفت إلى الزيادة الكبيرة في النزوح القسري عبر الحدود الدولية، إذ زاد العدد العالمي للاجئين وطالبي اللجوء بنحو 13 مليوناً بين عامي 2010 و2017، وهو ما يمثل ربع الزيادة في عدد جميع المهاجرين الدوليين.

واللافت أن نصف المهاجرين الدوليين يقيمون في عشر دول فقط. وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية بالطبع على رأس هذه الدول، حيث يقيم 51 مليون مهاجر دولي، بينما تستضيف ألمانيا والسعودية ثاني وثالث أكبر عدد من المهاجرين (13 مليوناً لكل منهما)، يليها الاتحاد الروسي (12 مليوناً) ثم بريطانيا (10 ملايين) والإمارات العربية المتحدة (9 ملايين)، وفرنسا وكندا وأستراليا (نحو 8 ملايين لكل منها) وإيطاليا (6 ملايين). وهنا ينبغي الإشارة إلى أن الإمارات والسعودية نموذجان ناجحان لنموذج الهجرة باعتبارها تعود بالفائدة على بلدي المنشأ والمقصد بالإضافة إلى المهاجر.

وعودة إلى عام 2006 حين أشار كوفي عنان سريعاً لجوانب سلبية للهجرة بينها الإتجار بالبشر والسخط الاجتماعي في دول المقصد، أو لأنها قد تكون ناشئة عن الفقر والصراع السياسي. اليوم تغير الوضع كثيراً، وانقلبت خارطة الهجرة رأساً على عقب. ولم تعد المسألة مجرد تغنٍ بمحاسن الهجرة ومميزاتها، أو دفعاً لتحقيق أهداف الألفية بمساعدة المهاجرين. أصبح الوضع أكثر تعقيداً، حيث يتم تفريغ دول من مكونها الديموغرافي، ويعاد بناء التركيبة الديموغرافية لدول أخرى، وهي أمور تستحق البحث والدراسة واستشراف النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولحسن الحظ فإن هذه الآثار أشار إليها عنان قبل ما يزيد على عقد باعتبارها احتمالات أو عوارض عكسية محتملة. اليوم أصبحت الاحتمالات واقعاً. وصارت العوارض العكسية آثاراً رئيسية مباشرة. هو ألمح لاحتمال حرمان بلاد المنشأ من خيرة مواطنيها وأشدهم ذكاءً وأكثرهم قدرة على العمل لصالح دول المقصد. وأشار إلى تشتت الأسر، والتوترات الاجتماعية وغيرها من المشكلات التي أصبحت اليوم واقعاً يومياً في حياتنا يحتاج وقفة أممية وليس مجرد تقرير.

طباعة Email