فلسطين والعرب في مواجهة تحالف بن غوريون!!

بالتأكيد.. كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يعرف جيداً أن تصريحاته الخطيرة عن اعتزامه ضم غور الأردن وكل المستوطنات في الضفة الغربية لتكون تحت السيادة الإسرائيلية، سوف تثير هذه الموجة من الإدانة التي لن تقتصر على العالمين العربي والإسلامي، لكنها تمتد لتشمل العالم كله.

لكن نتانياهو كان يقاتل في معركة انتخابية يدرك أن خسارتها تقذف به إلى مخاطر المحاكمة التي قد تفضي به إلى السجن بتهم الفساد والاحتيال وغيرها، ويحاول - بكل أسلحته - أن يأخذ ما يستطيع من أصوات اليمين المتطرف.. لعلها تنقذه وتبقيه بعيداً عن المحاكمة، ماضياً في تسجيل الأرقام القياسية كأطول رئيس وزراء بقي في منصبه منذ نشأة الكيان الصهيوني.

بعيداً عن المزايدات الانتخابية، فإن إسرائيل تجد نفسها في وضع تزداد فيه طموحاتها حتى لو أخذتها إلى قلب الخطر دون أن تدري، ولم يكن قرار القدس ونقل السفارة، ثم الحرب المعلنة لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال حصار «الأونروا» وقطع المساعدات عن السلطة.. لم يكن كل ذلك - بالإضافة لقرار الاعتراف الأمريكي غير القانوني بسيادة إسرائيل على الجولان - إلا وعداً بأن الأفضل (بالنسبة لإسرائيل) مقبل.. مع الصفقة الموعودة أو من دونها.

يراهن نتانياهو واليمين الإسرائيلي المهيمن في الكيان الصهيوني على دعم أمريكي مضمون، وعلى علاقات تتوطد باستمرار مع موسكو، وعلى أوروبا منكفئة على مشكلاتها الداخلية.. لكنه يراهن أكثر على أوضاع المنطقة، وعلى الظروف والتحديات التي تواجهها والتي منحت إسرائيل أفضل أوضاعها منذ حرب 67 وبالتأكيد منذ نشأتها.

قبل أي شيء. يراهن نتانياهو على واقع فلسطيني صعب بسبب الانقسام الذي كانت حماس سبباً فيه، ويراهن نتانياهو - حين يطلق وعده المرفوض – على واقع عربي دفع الثمن الكبير لسنوات من التآمر لضرب قواه الحية ولمحاولة تفكيك دوله وإدخال شعوبه في جحيم الحروب الأهلية والصراعات الطائفية، ثم محاولة إخضاعه لجماعات الإرهاب المتحالفة مع القوى الإقليمية غير العربية.. والله يعلم إلى أين كانت الأمور ستصل لولا ثورة شعب مصر التي أسقطت حكم الفاشية الإخوانية، ولولا تصدي التحالف العربي للمحاولة الإيرانية لاتخاذ اليمن مركزاً أساسياً لها لضرب دول الخليج، والتحكم في هذه المنطقة الحيوية للعرب وللعالم كله.

ما كان للأطماع الصهيونية أن تتفاقم بهذه الدرجة (حتى مع الدعم الأمريكي غير المسبوق) إلا في ظل الانقسام الفلسطيني، والدمار الذي لحق بالعراق وسوريا وليبيا والذي يهدد كل الوطن العربي، ولم تكن هذه الأطماع تبلغ هذه الدرجة لولا ما فعلته جماعات الإرهاب بزعامة الإخوان، التي لم ينقطع صراخها بأنها ذاهبة إلى القدس ولم ينقطع تآمرها لقتل العرب والمسلمين وخدمة أهداف كل أعداء الأمة. وفي المقدمة إسرائيل.

ولم يكن لهذه الأطماع الصهيونية أن تبلغ هذه الدرجة لو أننا لم نبتلَ بهذه السياسات التي اعتنقتها طهران على مدى أربعين عاماً، انصرف فيها جهدها إلى توسيع النفوذ وتصدير الفتنة المذهبية إلى عالمنا العربي، ولو أننا لم نر دولة إسلامية كبيرة مثل تركيا تتحول إلى حليف لجماعة الإخوان وشريك في محاولة الإرهاب لضرب الاستقرار العربي!

نتذكر هنا أن مؤسس الكيان الصهيوني بن غوريون كان يتحسب من كون إسرائيل جزيرة منعزلة وسط عالم عربي يحاصرها، وكان توجهه منذ البداية أن تكون وسيلته للإفلات من هذا الواقع هو أن يكون شريكاً في تحالف مع القوى الإقليمية غير العربية. ومنذ نشأة الكيان الصهيوني امتدت جسور العلاقات مع إيران وتركيا، وتغيرت الأحوال كثيراً بعد ذلك، وكانت هناك لحظات للأمل في علاقات طيبة مع الدولتين الجارتين.. لكننا - للأسف الشديد - نجد أنفسنا اليوم في مواجهة لأطماع إسرائيل وتآمر إيران وتركيا. معاً وفي وقت واحد!!

اليوم. تجتمع الدول الإسلامية في جدة لتتخذ موقفاً حاسماً من سياسات إسرائيل التي تدمر كل فرص السلام، وفي الأسبوع الماضي كان لوزراء الخارجية العرب موقف قوي أبلغ العالم كله الموقف العربي من تصريحات نتانياهو في اليوم نفسه الذي صدرت فيه، وبالتأكيد سوف تكون هناك قرارات بإدانة السياسات الإسرائيلية، وربما إعلان بتحرك يعيد القضية للشرعية الدولية ويضع الدول الكبرى أمام مسؤولياتها.

ولا شك أن القضية الفلسطينية تظل قضية فلسطين والعرب في الأساس، وستظل قضية تحرر وطني لشعب يقاوم آخر وأسوأ احتلال عنصري رغم كل التحديات، ولا شك أن العالم الإسلامي - بل والعالم كله - يقف إلى جانب الحق الفلسطيني والشرعية الدولية ويدرك أن مفتاح السلام في المنطقة يرتبط بعروبة القدس وقيام دولة فلسطين المستقلة على كامل أرض فلسطين 1967.

ولعل أفضل ما تقدمه الدول الإسلامية اليوم هو ألا تكتفي بالمواجهة مع العدو، أو مخاطبة العالم، بل أن تخاطب نفسها وأن تواجه الحقائق وتتحمل المسؤولية بصدق.

والحديث هنا أيضاً عن قرار يضع الجميع (وفي المقدمة إيران وتركيا) أمام الخيار الواضح بين أن يكونوا دولاً صديقة، أو أن يكونوا شركاء إسرائيل يحققون أهدافها وهم يرددون الشعارات بالعداء للكيان الصهيوني بينما يقدمون له كل الخدمات، ويؤكدون له أنهم يسيرون على نهج بن غوريون وإن اختلفت الرايات.

لعلهم يخيبون الظن ويصححون من أخطاء عشرات السنين ولعل فلسطين تجمع الكل في الطريق الصحيح.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات