التغيّر المناخي في القرن الآسيوي

في وقت مبكر من شهر أغسطس، تطرّق رئيس وزراء سنغافورة لي هسين لونغ لموضوع تغير المناخ وذلك خلال خطابه بمناسبة اليوم الوطني للبلاد، مناقشاً كيف تخطط سنغافورة للتعامل مع آثار التغير المناخي الذي أدى إلى ارتفاع مستويات سطح البحر في جميع أرجاء العالم.

وكونها دولة بأراضٍ منخفضة، فإن سنغافورة معرضة بشكل خاص لتلك التأثيرات، قائلاً لي إن تكاليف حماية البلاد من ارتفاع منسوب مياه البحر من المرجح أن تقدر على الأقل بحوالي 100 مليار دولار سنغافوري على مدى الخمسين إلى المائة عام القادمة.

إن الثمن اللازم لمكافحة تغير المناخ يستحق التأمل في العالم. فإذا كانت سنغافورة، وهي جزيرة صغيرة على خريطة العالم، ستحتاج لـ 100 مليار دولار سنغافوري (72 مليار دولار أمريكي) لتعزيز دفاعاتها الساحلية لمكافحة تغير المناخ، يمكننا تخيل حجم الموارد المطلوبة للدول الكبرى التي تواجه تحديات مماثلة، كبنغلاديش، والتي هي أيضاً تتمتع بخصائص جغرافية تضاهي سنغافورة من جهة ارتفاع منسوب مياه البحر.

على عكس سنغافورة، التي تعد قوة اقتصادية وقادرة على التخطيط للمستقبل وتحمل الموارد اللازمة للتعامل مع تغير المناخ، فإن الدول الآسيوية الأكثر فقراً مثل بنغلاديش غير مجهّزة للتعامل مع التأثير. تعاني العديد من تلك البلدان من ارتفاع معدلات الفقر والأنظمة الحكومية الضعيفة، وهي غير قادرة على التخطيط للمستقبل وحشد الموارد اللازمة لتفادي التأثيرات السلبية لتغير المناخ.

ومن هنا فإن قصة بنغلاديش تجسّد مثالاً تحذيرياً للجميع.

تعتبر بنغلاديش بالنسبة إلى البنك الدولي واحدة من أسرع 5 اقتصادات نمواً في العالم. مع شريحة سكان من فئة الشباب واقتصاد متنامٍ، وبهذه الصورة فإن على بنغلاديش الاحتفال ببداية مستقبل أكثر إشراقاً. ومع ذلك، يلقي تغير المناخ بظلاله على النجاح الناشئ للبلاد ويهدد بنقل سكانها إلى مستقبل قاتم.

وفقاً لمركز مراقبة النزوح الداخلي، تم تهجير 700 ألف شخص من بنغلاديش من منازلهم سنوياً خلال العقد الماضي وأُجبر سكان المناطق الساحلية المنخفضة في البلاد على الانتقال إلى الداخل، بما في ذلك العاصمة دكا. تسببت المياه المالحة من ارتفاع منسوب البحر في جعل أجزاء كبيرة من الأراضي في المناطق الساحلية غير صالحة للزراعة، ما أدى إلى تدمير سبل عيش العديد من البنغلاديشيين. إن التغير المناخي يهدد بمنع البلاد من تحقيق كامل إمكاناتها الاقتصادية.

من الجليّ أن الفجوة في الثروة بين بلدان آسيا تعيق قدرة البلدان الفقيرة على مواجهة التأثيرات السلبية للتغير المناخي، وهو أمر يهدد بتقويض المعجزة الاقتصادية الآسيوية التي انتزعت مئات الملايين من الفقر.

ينصبّ التركيز الرئيسي للمناقشة حالياً على كيفية تخفيف التغيرات في المناخ. كان اتفاق باريس أداة مهمة للحصول على توافق دولي في الآراء بشأن الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالمياً. ومع ذلك، من المهم وبنفس القدر بالنسبة للعالم، خاصة آسيا، مناقشة سُبل التكيف مع التغيرات السلبية الناجمة عن المناخ. وهذا هو الأمر الذي لا تتم مناقشته. كما أنه من المتوقع أن تصبح العديد من مدن آسيا المزدهرة مثل بانكوك ضحية لارتفاع مستوى سطح البحر في العقود المقبلة.

تضم إندونيسيا أعداداً كبيرة من الشباب وهي دولة غنية بالموارد، ويكمن الشرط الأساسي بأن تكون المحرك التالي الذي يدفع الاقتصاد العالمي. بيد أن التغير المناخي يؤثر على الجميع، وليس مستغرباً أن يقترح الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو نقل عاصمة البلاد من جاكرتا، فقد كانت تلك المدينة المنخفضة تغرق بحوالي 12 سم كل عام، وهنالك تنبؤات بأن تغمر المياه جزءاً كبيراً من ساحل جاكرتا الشمالي بحلول عام 2025.

لا بد أن يكون لهذه التطورات تأثيرات اقتصادية واجتماعية كبيرة على آسيا والعالم. ناهيك عن كون القرن الآسيوي على المحكّ.

إن أكبر تهديد للمعجزة الآسيوية ليس تغير المناخ نفسه بل الفشل في التكيف معه. تحتاج آسيا لنهجٍ ذي شقين بشأن تغير المناخ لحماية معجزتها الاقتصادية.

* محلل سياسي بسنغافورة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات