السياسة الأمريكية وتعقيدات أزمات العالم

نجاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كرجل أعمال في عقد صفقاتٍ بأمكنة عدّة في العالم، واعتماده في سنواتٍ طويلة من سيرة حياته التجارية والمالية والعقارية على العلاقات الشخصية وعلى الإعلام.

ذلك كلّه جعله يعتقد أنّ ما نجح به من أسلوب في حياته الشخصية يمكن أن ينجح أيضاً في عمله السياسي كرئيس للولايات المتّحدة.

ها هي سياسات الإدارة الأمريكية الخارجية تصطدم بما هو قائم من معايير المصالح في العلاقات بين الدول وليس بين الأشخاص الذين يحكمونها فقط. عاملٌ آخر لا يحسب حسابه جيداً وهو دور مؤسّسات الدولة الأمريكية في صنع القرارات المهمّة المرتبطة بالسياسة الخارجية، وذلك بغضّ النظر عمّن هو الحاكم في «البيت الأبيض».

ولعلّ خير أمثلة على ما سبق ذكره، من اصطدام أسلوب ترامب الشخصي مع المصالح العليا للدولة الأمريكية، هو ما حدث مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون وفشل مراهنات ترامب على قمّتين معه، ثمّ ما حدث بشأن تراجع ترامب عن قراره بسحب القوات الأمريكية من سوريا نتيجة اعتراضات «البنتاغون» واستقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس احتجاجاً على هذا القرار.

وها هو الأمر يتكرّر الآن في موضوع أفغانستان، حيث اضطرّ ترامب للتراجع عن عقد قمّة سرّية في «كامب ديفيد» مع زعماء «طالبان» بسبب المعارضة لهذه القمّة ومكانها وتوقيتها من قِبَل «البنتاغون» وأركان في الإدارة وفي «الحزب الجمهوري».

أيضاً، نرى التعثّر في سياسات واشنطن الخارجية مع كلٍّ من الصين وروسيا ومع بعض الحلفاء في أوروبا، حيث نلمس الفوارق بين توجهات الرئيس ترامب وبين ما تفرضه مصالح الدولة الأمريكية،.

كما تظهر بوضوح الخلافات العميقة بين ترامب وبعض الفاعلين في إدارته، وبين بعضهم البعض، وهو ما حدث قبلاً مع وزير الخارجية ريكس تيلرسون الذي أقاله ترامب عبر «تويتر»، ثمّ مع مستشار الأمن القومي السابق ماكماستر، ثمّ مع وزير الدفاع ماتيس ومع السفيرة في الأمم المتحدة نيكي هالي، وغيرهم الكثير ممّن أقالهم ترامب أو استقالوا احتجاجاً على سياسات ترامب وأساليبه في التعامل مع أزماتٍ دولية معنيّة بها الولايات المتّحدة.

حالةٌ مشابهة حدثت في سياسة ترامب تجاه فنزويلا، حيث كانت احتمالات التدخّل العسكري الأمريكي المباشر من أجل إسقاط نظام الرئيس مادورو على قاب قوسين أو أدنى، وبتشجيعٍ كبير من مستشارين لترامب ومن بعض «الجمهوريين»، لكن حسابات مصالح الدولة الأمريكية منعت حدوث ذلك خاصّةً بسبب الموقف الروسي الرافض لهذا التدخّل الأمريكي.

ولقد أشار ترامب قبل قمّته الثانية مع زعيم كوريا الشمالية بأنّه يستحقّ جائزة نوبل للسلام! كان يراهن على حدوث ذلك قبل اصطدام طموحاته بالأمر الواقع الأمريكي والكوري الشمالي. وراهن ترامب على إمكان تركيع الصين تجارياً من خلال سياسة فرض الرسوم، وها هو الاقتصاد الأمريكي وولايات صوّتت لترامب يدفعون ثمن هذه السياسة.

وراهن ترامب على ضغوطاتٍ مارسها على المكسيك لكي تساهم ماليّاً في تكلفة الجدار على الحدود معها وفشل بذلك، فقرّر ترامب عوضاً عن ذلك استخدام أموال مخصّصة لحالات الإغاثة والطوارئ في ميزانية وزارة الدفاع من أجل إقامة الجدار!

السياسة الخارجية الأمريكية على مدار أكثر من سنتين زادت أزمات العالم تعقيداً ولم تُحلّ أيٌّ منها بعد. حتّى حلفاء أمريكا وأعضاء في حلف «الناتو» يعانون من آثار السياسة الخارجية لواشنطن، ويختلفون معها في المواقف من قضايا دولية عدة، إضافةً إلى تأزّم في العلاقات الثنائية كما حدث تجارياً مع فرنسا وألمانيا وكندا.

الخلافات بين الإدارة الأمريكية والاتّحاد الأوروبي تزداد حول قضايا عدة، لقد هيأت هذه الإدارة المناخ عملياً لتصعيد محتمَل في الشرق الأوسط بسب موقفها من الفلسطينيين وتأييدها المطلق لنتانياهو وسياساته في المنطقة.

ويتزامن التراجع في آمال ترامب بتوقيع اتّفاق مع كوريا الشمالية مع التصعيد الحاصل في الحرب التجارية مع الصين والتي اندلعت في العام الماضي بين أكبر قوّتين اقتصاديتين في العالم. الأزمة مستمرّة بين البلدين رغم أنّ الولايات المتّحدة والصين ليس لهما مصلحة في استمرار هذه «الحرب»، والتي تسبّبت بأضرار في البلدين معاً ورغم محاولة ترامب إظهار أنّ الضرر كان على الصين وحدها. فإن أيّ اتّفاقٍ لواشنطن مع كوريا الشمالية سيحتاج إلى موافقة بكين الراعية الأهمّ لنظام بيونغيانغ.

ثغراتٌ وعقباتٌ عدة داخلية تقف أيضاً في وجه السياسات الخارجية لترامب، المؤسّسات العسكرية والأمنية الأمريكية ما زالت تشكّك في نوايا وخطوات الزعيم الكوري الشمالي، وهي اختلفت أيضاً مع ترامب بشأن سحب القوات من سوريا وأفغانستان، و«البنتاغون» غير متحمّس جدّاً لتحسين العلاقات مع الصين وروسيا،.

حيث يعتبرهما الخطر الأكبر المنافس للولايات المتحدة. ومجلس النواب الأمريكي تقوده الآن غالبية من الأعضاء الديمقراطيين الذين يصرّون على متابعة نتائج تحقيقات موللر، وعلى مواصلة التحقيق مع العديد من الأشخاص الذين عملوا في حملة ترامب الانتخابية، وعلى التحرّك ضدّ قرار ترامب بتمويل الجدار على الحدود مع المكسيك من خلال ميزانية الطوارئ، والتحذير أيضاً من مخاطر السياسة التي يتّبعها ترامب بحقّ المهاجرين من أمريكا الجنوبية.

ربّما يراهن ترامب الآن على اجتماعات الجمعية العامّة للأمم المتّحدة من أجل إزالة بعض العقبات التي تعترض طموحاته في السياسة الخارجية، أو لتحقيق تقدّم في أزماتٍ يسعى ترامب للعب دور البطل المنقذ فيها، لكن المشكلة ستكون مجدّداً في اعتماد ترامب على أسلوب المعايير الشخصية.

مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات