التغيير في المعادلة السودانية

السودان يتغير.. نجح الحراك الجماهيري الذي أطاح بحكم جماعة الإخوان، وممثلها في السلطة «عمر البشير» في تغيير المعادلة السياسية، التي تحكمت في أوضاع السودان منذ استقلاله عام 1956، إلى واقع جديد يتحرر من قيود تلك المعادلة، التي حالت بينه وبين الاستقرار والسلم الأهلي والتنمية المستدامة بالاستخدام الرشيد لثرواته الطائلة من البترول والذهب والمعادن واليورانيوم بالإضافة لثروته البشرية، واستقرار نظامه السياسي الذي يقوم على رضاء المواطنين واختيارهم الواعي والحر.

وعلى امتداد نحو ثلاثة عقود تمثلت تلك المعادلة، وبالتحديد في تجربتي الديمقراطية عامي 1964و1985 في صراع لا يكل ولا يهدأ حول محاصصة تقاسم السلطة بين قوتين تقليديتين من ذوي الروافد الطائفية هما الحزب الاتحادي وحزب الأمة، وهو صراع لا يتوقف سوى باستدعاء أحدهما للقوات المسلحة بالتدخل لحسمه، أو تهيئة المناخ لها للقيام بانقلاب كما جرى في يونيو عام 1989، حين أطاح إخوان السودان بالحكومة المنتخبة، بعدما أدت الصراعات داخلها، إلى إفقاد الشعب السوداني الثقة في أن الديمقراطية هي النظام الأمثل لحل مشكلات بلاده المتراكمة والمأزومة.

لم تكن المشكلة تكمن فقط في المماحكات السياسية بين الحزبين التقليديين بل كذلك في الترهل في الهياكل التنظيمية لهما، وفي القيادة الفردية التي باتت تضفي على نفسها قداسة دينية، وأيضاً في الانشقاقات التي أضعفتها، وفي الغياب القسري الذي دفعها دفعاً لمعارضة نظام البشير من الخارج، مما أفقدها القدرة على معالجة تلك الإشكاليات في عملها الحزبي.

وأبعدها عن التأثير في أرض الواقع، التي عكفت جماعة الإخوان على تغيير معالمه تماماً بحملات فصل غير الأعضاء وغير الموالين من أجهزة الدولة، وأخونة مؤسسات الدولة والحكم والخدمة المدنية، فضلاً عن حروب التطهير العرقي والديني، التي قادت لفصل الجنوب، وإشعال الحرب الأهلية حتى اليوم في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.

ويكشف التشكيل الأخير للحكومة السودانية الانتقالية برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك عن تحررها من تلك المعادلة، التي عرقلت تطور المسار الديمقراطي، وأجهضت خطط التنمية لكل الأقاليم، ووسعت بفعل ذلك، نطاق الحروب الأهلية. فهي وزارة غير حزبية، أتت بالتوافق والحوار، رشحتها قوى الحرية والتغيير، استناداً إلى معايير الكفاءة المهنية والخبرات العلمية، ونصاعة التاريخ الشخصي، والإخلاص للدولة والوطن، وتلك مهارات لم يثبت أبداً، حتى في أقدم الديمقراطيات الغربية مثل بريطانيا، أن صندوق الاقتراع قادر على الإتيان بها!

وتبدو فترة السنوات الثلاث غير كافية لإنجاز مهام الحكومة الانتقالية الساعية لجذب القوى التي ترفع السلاح للمشاركة في المعادلة السياسية الجديدة وإنهاض الاقتصاد من أزماته، وبسط سلطة القانون وتحقيق العدالة وإقرار السلم الأهلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة المحطمة على أسس احترافية، لا تلتفت سوى للمصالح العامة.

لكن من شأن الالتفاف الشعبي حول الحكومة الجديدة، ودعم قوى الحرية والتغيير لعملها، ومساندة المرأة السودانية والقوى النقابية والشبابية المستقلة التي شاركت في إسقاط حكم الإخوان، أن يمنح تلك الحكومة الوقت الكافي بالعمل والصبر والكفاح والنوايا الحسنة.

لكي تمضي قدماً لتنفيذ برنامجها، وتشكيل البرلمان الجديد بالتوافق حول أعضائه المختارين غير المنتخبين، ما يشكل دعماً إضافياً لها. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحكومة الجديدة لا تحمل عصا موسى كما قال رئيسها. فضلاً عن أن القوى المتربصة بها، والمراهنة على فشلها أكثر من أن تحصى داخل السودان وخارجه.

وفي مقدمتها فلول حزب المؤتمر الوطني وحزب المؤتمر الشعبي، والقوى والأحزاب التي شاركت في نهب ثروات السودان وهدم ثرائه العرقي والثقافي والديني، وهي ترفع شعارات تزعم الدفاع عن شرع الله، لكي يثبت للمرة المليون أنه لا فرق بين متطرف ومعتدل وسط تلك الجماعات وأن التكفير وممارسة العنف والإرهاب هو ما يجمع بين كل فصائلهم، فضلاً عن الدعم المالي السخي الذي تمنحه الدوحة وأنقرة للتنظيم الدولي للإخوان لعرقلة التجربة الوليدة!

المشكلة الأخرى، أن بعض الحركات المسلحة التي تقود حرباً لمكافحة التهميش، وإنهاء مشكلة التنمية الاقتصادية غير المتوازنة لأقاليم السودان، ذات ارتباط بمصالح قوى دولية غربية. لكن الحكومة، التي يبدو أن رئيسها يحظى بدعم شعبي، سوف تغدو قادرة على نزع ذرائع تلك الحركات، بالبدء فوراً في تنفيذ برنامجها الاقتصادي. فضلاً عن مواصلة الدعم العربي من قبل الدول الخليجية ومصر للنهوض السوداني المرتقب، لأن البديل عن ذلك هو الفوضى التي نّظر لها سياسيو الربيع العربي!

رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات