بين المصلحة الوطنية والشخصية

تحرص الدول على مصالحها الوطنية، سواء كانت اقتصادية أو ثقافية أو عسكرية أو غيرها، وتعزز ذلك في سياساتها الداخلية والخارجية.

ويشمل ذلك حماية حدودها وبناها التحتية، ومنع التهديدات التي تمس أمنها واستقرارها، والمحافظة على سلامة مواطنيها، وتقديم الرفاه الاقتصادي لهم، وتحقيق التنمية الشاملة المستدامة، وإحراز المكانة المرموقة في الساحة الدولية وغير ذلك، كما تشمل الأهداف والطموحات والتطلعات التي تسعى الدول إلى تحقيقها.

ومن أبجديات قيم المواطنة المحافظة على هذه المصالح الوطنية، وتغليبها، واسترخاص المصالح الأدنى كالمصالح الشخصية والفئوية والحزبية والطائفية في سبيل تحقيق مصالح الوطن العليا، فواجب كل فرد وفئة وطائفة أن تجتمع على حفظ هذه المصالح، مهما اختلفت فيما بينها في الآراء والمذاهب والأديان، فبحفظ هذه المصالح تتحقق مصالح الجميع، وبإضاعتها تضيع كل مصلحة.

وإذا كان مقام الاختلاف يقتضي التناصح بين المختلفين وقبول الحق ورد الباطل وتصويب المخطئ فإن مقام اجتماعهم في الوطن يقتضي التعايش فيما بينهم والتعاون على حفظ مصالحهم المشتركة.

وذلك من تمام العقل والحكمة، ولذلك عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة كتب كتاباً جمع فيه سكانها مسلمين وغيرهم، وجعلهم أمة واحدة فيما بينهم، متكاتفين على تحقيق المصالح العليا لوطنهم، ومما جاء في الكتاب:

«وإنَّ يهود بني فلان وفلان أُمَّةٌ من المؤمنين»، قال ابن الأثير: «يريد أنهم بالصلح الذي وقع بينهم وبين المؤمنين كجماعة منهم، كلمتهم وأيديهم واحدة»، وقد تحدث الفقهاء منذ القديم عن فقه المصالح، وقرروا قواعد مهمة في هذا الباب، منها القاعدة الفقهية الشهيرة أن المصالح الكبرى مقدمة على المصالح الصغرى، ولذلك قال العز بن عبد السلام: «اعتناء الشرع بالمصالح العامة أوفر وأكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة».

وإن من أسباب الخلل التي تطرأ على المجتمعات تفريط أصحابها في مصالحهم العليا، والإخلال بها، سواء بسبب مصالح شخصية لبعض الأفراد والمنتفعين، أو بسبب مصالح حزبية وطائفية لأحزاب وطوائف وتنظيمات، جعلت مصالحها الخاصة فوق مصلحة الجميع، وضربت بقيم المواطنة عرض الحائط.

والتي تفرض على الجميع أن يكونوا يداً واحدة يحمون سفينتهم من أن يؤثر فيها أي ريح، فإذا بهم بدلاً من ذلك هم الرياح العاصفة والأمواج الهائجة التي أغرقت سفن أوطانهم، والواقع خير شاهد على ذلك، فكم جر المنتفعون والحزبيون والطائفيون والعاطفيون من خراب ودمار واحتراب بسبب تغليبهم للمصالح الضيقة على حساب مصالح أوطانهم العليا، فكانت النتيجة أن هوى سقف أوطانهم على رؤوسهم وعلى رؤوس الأبرياء معهم، وأصبحت مدنهم أنقاضاً ركاماً بعد أن كانت بهجة للناظرين، وفي ذلك معتبر لمن عنده أدنى عقل ونظر!

إن تغليب المصالح الوطنية واجب وطني، والتعبير عنه سهل ميسور يتأتى من كل فرد غيور في أي مجتمع وفي أي موقع كان، فالأسرة التي يحرص كل فرد فيها على أن يكون مواطناً صالحاً في مجتمعه، متحلياً بالقيم الإيجابية، قيم الاعتدال والوسطية والتسامح والأخلاق الحميدة وحب الوطن والولاء له والسلامة من التحزب والتطرف والانتماءات الدخيلة والحرص على الأمن والاستقرار يعبر بذلك تلقائياً عن تغليبه للمصالح الوطنية.

وكذلك المجتهدون على مقاعد الدراسة والمتخرجون والمبدعون أصحاب المواهب والمثقفون والإعلاميون أصحاب الأقلام والأصوات الغيورة والساهرون على أمن الوطن والعاملون على رقيه وازدهاره في شتى المجالات والجنود البواسل الذين يلبون نداء الواجب ويسترخصون أنفسهم في سبيل منعة الوطن وعزه وغيرهم من الفئات والشرائح هم قدوات في تغليب المصالح الوطنية.

إن المصلحة الوطنية جزء أصيل لا يتجزأ من كيان وفكر أي مواطن أصيل، وخاصة في وطن استثنائي قلَّ له نظير كالإمارات، التي ضمت أبناءها في أحضانها، وفتحت أمام العائدين إليها أبوابها، وجعلت سعادة مواطنيها على رأس أولوياتها، في ظل قيادة حكيمة استثنائية، لا تعرف الملل والكلل في سبيل رفعة هذا الوطن والمحافظة على عزه واستقراره وازدهاره ومصالحه العليا.

Ⅶ مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات