تطوّرات مفهومي المساواة والهوية

الفارق بين هذين المفهومين أي المساواة والهوية، من حيث الدلالة اللغوية، يتمثل في أن المساواة تعني أن نكون مثل الآخرين، وأن نتمتع مثلهم بكل الحقوق على قدم المساواة قانونياً واجتماعياً واقتصادياً؛ في حين أن الهوية تعني رغم تعدد تعريفاتها أن نتميز عن الآخرين، وأن نبحث عنها في الذات الداخلية الفردية أو الجماعية عما نختلف فيه عنهم من قيم وثقافة ومعتقدات.

غير أن هذا الفارق وبعيداً عن الدلالة اللغوية، يبدو أنه كبير جداً وعميق، إلى الحد الذي يمكن القول معه إن هذا الفارق هو بين زمنين وعصرين، أو حقبتين تاريخيتين، تختلف ظروف كل منهما عن الآخر اختلافاً بيناً؛ إن من حيث الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية، أو من حيث توازنات القوى على الصعيد العالمي والأفق الفكري الذي يؤطر الصراعات والنزاعات.

ظهر مفهوم ومبدأ المساواة في خضم تطورات كبيرة فكرية وسياسية توجت بالثورات البرجوازية والديمقراطية في نهاية القرن الثامن عشر، الثورة الأمريكية ضد بريطانيا والثورة الفرنسية التي أرست مبادئ الحرية والإخاء والمساواة.

والتي استلهمت هذه المبادئ من أفكار جان جاك روسو وفولتير وغيرهما من المفكرين الذين مهدوا بأفكارهم ورؤاهم لهذه التطورات الكبرى، وأفسحت الطريق لنظريات العقد الاجتماعي والسياسي بين الحاكم والمحكوم، ورغم ذلك فإن مفهوم المساواة كان فيما يبدو قاصراً على المساواة القانونية؛ أي المساواة بين المواطنين أمام القانون وحقوقهم المتساوية في التقاضي والدفاع والمحاكمة العادلة.

ولا شك أن هذه المساواة القانونية كانت تمثل افتتاح عهد جديد في تاريخ الإنسانية والحياة السياسية والفكرية، ورغم ذلك لم تسلم هذه المساواة القانونية من النقد الفكري والاجتماعي، من قبل المفكرين الاشتراكيين بمختلف مدارسهم وكانوا يرون فيها مساواة أقرب إلى الشكل منها إلى الموضوع، وأنها لم تكن كافية لتحقيق المساواة بين المواطنين في توزيع الثروة وتذويب الفوارق بين الطبقات.

وجاءت ثورة أكتوبر الاشتراكية في عام 1917 تضع هذه المساواة في الوضع الذي رآه مفكرو هذه الحقبة التاريخية، أي عدم اقتصار المساواة على القانون فقط، بل ينبغي أن تشمل هذه المساواة كل أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ووضع المساواة في إطار نظام جديد يخرجها من الحيز القانوني الضيق إلى حيز الفضاء الواسع.

ورغم النهاية المأساوية للثورة وبؤس النظام الذي نتج عنها واختزاله رويداً رويداً في شخص سكرتير عام الحزب الشيوعي وممارسة السلطات على نحو شمولي عصف بالمساواة؛ إلا أن جانباً من النقد الذي وجه للوضع القانوني والحقوقي للمساواة في ظل المجتمعات الديمقراطية البرجوازية يبقى صحيحاً جزئياً.

وظلت المثل العليا لهذه الديمقراطية في الحرية والمساواة تخضع للانتهاك ولا تطبق القوانين على الأغنياء والميسورين، كما تطبق بأشكال متعسفة على المهمشين والضعفاء، وظل التوازن مفقوداً في العديد من الأحيان بين الحرية والمساواة السياسية.

على العكس من ذلك فإن مفهوم الهوية قد تطور وأصبح متداولاً على نطاق كبير في خضم موجات العولمة المالية والبنكية والسلعية وانتقال الأفراد وحريات الأسواق، غير أن مسار العولمة كان متعدد الاتجاهات والأوجه.

ففي الوقت الذي أفضت فيه العولمة إلى توحيد أنماط الحياة والقيم والثقافات والاستهلاك على الصعيد العالمي، أحيت العولمة الخصوصيات المحلية والثقافية والعرقية والطائفية، تلك الخصوصيات التي استشعرت الخوف من الانصهار والذوبان في الإطار الجماعي المتعولم، وخشيت من فقدان تميزها وهويتها.

مسار العولمة وموجاتها بتقدمه وتراجعه كشف بوضوح وجلاء أن الوحدة الظاهرية في أنماط الحياة والاستهلاك والثقافة على صعيد الكوكب، ليس في الواقع سوى مجرد قشرة خارجية، لم تستطع أن تحجب المخاوف والمخاطر التي تستشعرها الجماعات المختلفة في كل الأنحاء على مصير هوياتها وانتماءاتها ووجودها المتميز، والباحث عن التميز وهو البحث الذي اتخذ في الواقع وفي بعض الأحيان طابعاً قاتلاً وعنيفاً، ويتنكر لقيم التسامح وحقوق الإنسان التي ساهمت العولمة في نشرها وذيوعها.

* كاتب ومحلل سياسي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات