طريقان لا ثالث لهما في السودان

لم نكن في حاجة إلى سماع اعترافات رئيس الأركان المشتركة «هاشم عبد المطلب» قائد محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت مؤخراً في السودان، لكي ندرك، أنه ومجموعة من الضباط ممن استخدمهم لتنفيذ المحاولة، ينتمون للتيار «المتأسلم» في الفرع السوداني، لجماعة الإخوان، التي ظلت تحكمه على مدار ثلاثة عقود، من السفه والتدهور، والفساد، والخراب الاقتصادي والاجتماعي، والحروب الأهلية، التي لا تزال مشتعلة حتى الآن، ولايزال يعاني من ويلاتها الشعب السوداني.

لا غرابة في الاعتراف، فتاريخ الجماعة سجل حافل بالغدر والكذب ونقض العهود. ومتابعة عابرة لما يجري الآن في الجزائر وتونس وليبيا ومن قبلهم مصر، تقدم أدلة ساطعة على ذلك.

هل لأحد أن ينسى، أن الدكتور «حسن الترابي» كان وزيراً لخارجية السودان، في حكومة الصادق المهدي، في عهد ما كان يعرف بالديمقراطية الثالثة، وهو قابع في دهاليز الوزارة يخطط للانقلاب الذي جرى في يونيو 1989؟

هل ينتاب أحد الشك، أن من يدفعون للصدام بين الحراك وبين الجيش الجزائري، ويعرقلون التوصل لتسوية تلتزم بالمسار الدستوري للاستجابة لمطالب الجزائريين، هم أعضاء جبهة الإنقاذ الإسلامية وجماعة عباس مدني ؟.

وهل نأمل في استقرار أوضاع تونس، وقيادات حركة النهضة الإخوانية، تستعد للانقضاض على رأس السلطة في البلاد، بإعلان استعدادها للترشح في الانتخابات الرئاسية، برغم العراقيل التي وضعتها الحركة، في مسار التطور السلمي الديموقراطي، منذ أضحت طرفاً في حكم البلاد؟

وهل ننسى أن جماعة الإخوان، لم تشارك في مظاهرات يناير 2011 في مصر إلا عندما تأكد لها أن الجيش يساند مطالب المتظاهرين، فنزلت ميدان التحرير تحرض المعتصمين ؟

وكما أكد بيان القوات المسلحة السودانية، فإن هدف المحاولة الانقلابية الأساسي هو عودة نظام المؤتمر الوطني لحكم البلاد، وقطع الطريق أمام الحل السياسي.

أمام السودان، كما غيره من الدول العربية، طريق طويل، يحتاج إلى وعي وإدراك وصبر إرادة سياسية، لاقتلاع خلايا الإخوان النائمة من مؤسسات الدولة والحكم، وفي داخل الأجهزة الأمنية ومؤسسة الجيش الوطني.

وتوقيع المجلس العسكري الحاكم في السودان، وممثلي قوى الحرية والتغيير، على الإعلان الدستوري بالأحرف الأولى، هو خطوة هامة نحو ذلك، ونحو تحرر الدولة السودانية، من حكم الجماعة الكارثي. فالإعلان يضع جدولاً زمنياً لتقاسم السلطة بين الطرفين، وبمقتضاه يتم تشكيل مجلس السيادة في 18 من أغسطس الجاري عقب يوم من التوقيع النهائي على الاتفاق، وبعد يومين من تشكيله، يسمى رئيس الوزراء وفي 28 من الشهر نفسه تسمى الحكومة، وبهذا التوقيع، ينتقل السودان إلى المرحلة الانتقالية، بعد طول فترة الفراغ الدستوري.

لا غالب ولا مغلوب في هذا الاتفاق كما قال الفريق «حميدتي» وهو «أفضل المتاح» كما وصفه أحد ممثلي قوى الحرية والتغيير.

وفي السياسة لا شيء اسمه «كل شيء أو لا شيء» لأنها بمنطقها وبمناهجها المختلفة تقضي بمبدأ «خذ وطالب».

لم يكن من قبيل المصادفة أن يتفق أقصى اليمين مع أقصى اليسار في السودان، على رفض الاتفاق، الأول بزعم أنه علماني التوجه، والثاني بزعم أنه لا يساعد على قيام حكم مدني ديمقراطي ويدعو لمواصلة الإضرابات والعصيان المدني للوصول إلى مطلبه!

والمؤكد أن الطرفين سيسعيان لإفشال الاتفاق، الذي يتيح للمرة الأولى منذ تسعة أشهر أمام السودانيين ـ فرصة لالتقاط الأنفاس، والانتقال السلمي خطوة للأمام، تمهد لإنجاح الفترة الانتقالية.

وغير ذلك فأمام الشعب السوداني طريقان، الأول طريق الندامة، بالاستجابة لدعاة التمزق والفوضى التي تقود لإدامة الأزمة. والثاني طريق السلامة، الذي من المؤكد أن يختاره السودانيون بمنح دعمهم للطرفين، للعمل كفريق موحد، بهدف إخراج وطنهم من أزمته.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات