فقر الفكر وثراؤه

الفقر أنواع وأشكال وأنماط. ويخطئ من يعتقد أن الفقر هو فقر الجيوب والحسابات البنكية والأملاك العقارية. فالفقر الحقيقي هو ذلك القابع في الرؤوس، المتمكن من القلوب، الواقف حجر عثرة بين صاحبه وآفاق الحياة المتسعة غير المحدودة.محدودية الأفق وضيق الفكر وفرض قيود وهمية على الإبداع والابتكار هي عين الفقر. وهذا النوع من الفقر هو الأخطر. لماذا؟ لأنها تتسرب وتتوغل وتتمكن من أصحابها وتنتقل إلى ذويهم لتصبح أمراضاً اجتماعية شديدة العدوى.

عدوى فقر الفكر عابرة للحدود. وهي بالمناسبة حالة مريحة جداً لأصحابها. تقيهم شر التفكير، وتريحهم من أوجاع التدبير، وتحميهم من رياح التغيير.

عالمنا العربي عانى عقوداً طويلة من فقر الفكر. فبين غرق في أمجاد الماضي، ووأد في رمال التشدد، وإلهاء بمشكلات سياسية وعراقيل اقتصادية، وذوبان في عقود من الاحتلال والاستملاك يجاهد عالمنا اليوم للخروج بطرق عدة لعل الفقر ينقشع والفكر يهيمن.

هيمنة ثقافة الفقر عربياً أمر لا يمكن إنكاره. وعلى الرغم من أن هذه الثقافة تدور حول جوانب الفقر الاقتصادي في الأساس، إلا أنها تحتوي على حيل عقلية تصبح أسلوب فكر وطريقة حياة تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية، وليس فقط على سبل التحايل على الواقع المادي الصعب وقنوات الإنفاق.

ويخبرنا علم الاجتماع بمفهوم «ثقافة الفقر»، الذي يشير إلى أن قيم الأشخاص الذين يعانون الفقر تلعب دوراً محورياً في إدامة حالتهم الفقيرة، بالإضافة إلى الحفاظ على دائرة الفقر لتورث من جيل إلى جيل. هذه الدائرة نراها تدور وتعيد إصدار نفسها مراراً وتكراراً على مدار عقود، عبر توريث الخوف من التفكير، والرعب من الإبداع، والشك في كل ما يتم تداوله وتناوله خارج الصندوق. تارة يتخذ هذا الخوف شكل الحفاظ على العادات والتقاليد، وأخرى يتنكر الرعب على هيئة غيرة على الدين وصون للتدين، وثالثة يجري وصم كل ما يخرج عن صندوق الآثار بأنه يهدد عروبتنا وينذر بخلخلة قوميتنا.

لكن رياح التطوير وبشائر التحديث التي تجري في عدد من الدول العربية تنبئ بأن هذه المخاوف التي أدمت رقابنا وأنهكت قلوبنا وألحقت الضرر بمسيرتنا الإنسانية لا أساس لها من الصحة. فعاداتنا وتقاليدنا حية ترزق، وديننا بخير، وعروبتنا تظهر واضحة جلية بأفعال لا أقوال هنا وهناك، لا سيما في ظل الآثار العكسية لرياح «الربيع» العاتية التي هبت على المنطقة.

نظرة سريعة لثورة مصر الشعبية على أدعياء الدين والمتاجرين به في عام 2013، وخطوات جادة تتخذ لتجديد الخطاب الديني وتنقيته مما علق به من شوائب فكر وهيمنة فقر؛ وفتح الإمارات الأبواب على مصاريعها أمام العصر الرقمي وتقنية المعلومات والثورة الصناعية الرابعة، وثورة السعودية الكبرى من أجل التجديد والإصلاح وتعويض ما فات من فن وفكر وثقافة وسياحة وانفتاح على العالم، تنبئنا بأن الفقر باعتباره وضعاً من أوضاع البشر في طريقه للاندثار.

الرائع الراحل يوسف إدريس في كتابه السابق لعصره وأوانه «فقر الفكر وفكر الفقر» كتب أن «الفقر ليس وضعاً اقتصادياً فقط، إنه وضع من أوضاع البشر، وضع عام. يتصرف فيه الإنسان بفقر، ويفكر بفقر». وهذا تحديداً ما عانينا منه عقوداً طويلة.

عقود الإغراق في فقر الفكر ليس أمامها سوى لملمة متعلقاتها وإفساح المجال لثراء الفكر وتحرير العقول من قيودها الصناعية. الكثير من المجتمعات العربية تحفل حالياً بفعاليات ومشروعات ومؤسسات تدعم الفكر والانطلاق. فبدءاً بتمهيد الطريق أمام المشروعات الشبابية المبدعة وتخصيص جوائز وحوافز لأصحاب الأفكار الخلاقة في شتى المجالات بما فيها المجالات الحكومية والخدمات التي ظننا إنها متحجرة متيبسة، ومروراً بدعم التطبيقات المبتكرة التي تيسر حياة الناس وتفتح المزيد من الآفاق، وتشجيع جهود التحديث والتجديد في شتى المناحي بما في ذلك الخطاب الديني، يمكن القول إن القادم أفضل وأكثر ابتكاراً وأبدع أفكاراً. ولا نقول «انتهاءً» لأن الأفكار لا سقف لها، والإبداع لا نهاية له.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات