المساهمة في صناعة المستقبل عبر التمويل المستدام

تعد الاستدامة اليوم، نقطة محورية في الأعمال المصرفية الدولية، والمشاريع الصناعية والتجارية الأوسع نطاقاً في معظم الاقتصادات، وذلك نتيجةً للوعي المجتمعي وإصلاح السياسات العامة. وغَدَتْ العوامل البيئية والاجتماعية وعوامل الحوكمة، من الاعتبارات الرئيسة للشركات، حيث لم يعد يتمحور الهدف الجوهري لها حول الشؤون المالية فقط. ونشهد اليوم إجماعاً دولياً متزايداً، يؤكد ضرورة وضع الاعتبارات المتعلقة بالاستدامة في طليعة خطوات صنع القرار، لأن رفاهيتنا المتوسطة إلى طويلة الأجل، تعتمد على وجود بيئة صحية تدعمها التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.

يعدّ تغيّر المناخ، التحدي الرئيس في وقتنا الحالي، فهو السبب وراء ارتفاع درجات الحرارة، وتآكل اليابسة، وارتفاع مستوى البحر، وازدياد الملوحة. وتسعى الحكومات لمكافحة هذه الظاهرة، عبر نشر الوعي من خلال المبادرات التي أطلقتها الأمم المتحدة، مثل خطة أهداف التنمية المستدامة، واتفاق باريس للمناخ. وبينما تقترب بعض الاقتصادات المتقدمة من تلبية المتطلبات التي حددتها الأمم المتحدة، نجد أن البلدان الناشئة والنامية، تعاني من نقص في التمويل، وتحتاج لدعم البنوك والقطاع الخاص. وفي حين أن 90 % من احتياجات تمويل أهداف التنمية المستدامة في الدول المتقدمة قد تمت تغطيتها، فإن 60 % فقط من احتياجات الاستثمار في المناطق الناشئة والنامية، تمت تغطيتها (وتصل إلى 10 % فقط في بعض المناطق في أفريقيا).

لقد بات المستثمرون والشركات مدركين للآثار الضخمة التي يترتب عليها تغيّر المناخ، وبدؤوا يضعون البيئة في الاعتبار عند اتخاذ القرارات التجارية، وهذا ما منح مصطلح «الاستثمار المستدام» انتشاراً كبيراً في جميع أنحاء العالم. ونشهد اليوم إطلاق العديد من المبادرات في جميع أنحاء العالم، لدعم أهداف الأمم المتحدة في تحقيق التنمية المستدامة.

وجرى وضع أسس تنظيمية وخطط عمل مختلفة في مجال التمويل الأخضر عالمياً، منها مبادرة الصكوك الخضراء، ومبادئ المفوضية الأوروبية لتمويل الاقتصاد الأزرق المستدام ومبادئ التمويل الأزرق للصندوق العالمي للطبيعة. وأصدر بنك ستاندرد تشارترد العام الماضي، أول سند أزرق في العالم، نيابة عن جمهورية سيشيل، وجمع 15 مليون دولار من المستثمرين من أصحاب التأثير لتمويل التوسّع والتحوّل في مناطقها البحرية المحمية، وتحسين حوكمة مصائد الأسماك ذات الأولوية، وتطوير اقتصادها الأزرق.

وبلغت الاستثمارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحدها 163 مليار دولار في مجال الطاقة النظيفة. وأصبحت التغيّرات الديموغرافية سبباً هاماً لازدياد الحاجة للاستثمار في البنية التحتية. وبدأ قطاع الطاقة في الإمارات بالانتقال من قطاع الهيدروكربون، إلى مزيج متنوع من مصادر الطاقة، مدفوعاً بالطلب المتزايد الناتج عن التحضّر السريع في البلاد، وتقلّب سوق النفط، وازدياد أهمية التنمية المستدامة. ونظّم بنك ستاندرد تشارترد العام الماضي تمويل أكبر صفقة للطاقة المتجددة في منطقة الخليج لصالح هيئة كهرباء ومياه دبي. ويعد هذا المشروع أيضاً أكبر مشروع للطاقة الشمسية المتجددة ضمن مشاريع الحزام والطريق، ويستخدم المشروع التكنولوجيا المتطورة التي ستتيح لدبي الاستفادة من الطاقة الشمسية على مدار الساعة بتعريفة قياسية عالمياً.

وتعد الاستدامة محركاً رئيساً للابتكار في القطاع المالي، حيث تُقدَّم المحفّزات المالية للمقترض، كدافع، ليصبح أكثر استدامة من خلال الحصول على شروط مالية مخففة. وأطلقنا مؤخراً أول إيداع مستدام في العالم مكرس لتمويل الأصول المستدامة في البلدان النامية، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ما يتيح للمستثمرين الوصول إلى الأسواق النشطة، ومنحهم فرصة استثمار أموالهم في مشاريع تعالج أحد التهديدات الاجتماعية والبيئية الرئيسة في العالم على المدى الطويل. وسيتم استخدام السيولة التي يتم جمعها بواسطة الإيداع لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في البلدان النامية، ودعم التمويل الأصغر وتمويل مجموعة متنوعة من المشاريع المستدامة. ويشهد القطاع ازدياداً ملحوظاً في تطوير المنتجات ذات التأثير الإيجابي في البيئة، مثل سندات التأثير الاجتماعي والصكوك الخضراء.

ووفقاً لوكالة موديز لخدمات المستثمرين، من المتوقع أن يزيد إصدار السندات الخضراء العالمية بنسبة 20 %، لتصل إلى 200 مليار دولار خلال عام 2019. وشهد الشرق الأوسط في عام 2018، إصدار أول قرض أخضر بقيمة 2 مليار دولار، حسب مبادئ المصرف الإسلامي، ربط التسعير بالأداء البيئي، ما ساعد بنك ستاندرد تشارترد في تمديد فترة استحقاقه.

وهكذا، فإنه بفضل الوعي الكبير بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وازدياد طلب المستثمرين ممن يبحثون عن خيارات تساعدهم في جعل عالمنا أكثر استدامة، أصبحت المؤسسات المالية في موقع فريد، يمكنها من إحداث تأثير إيجابي في العالم. وبما أنّ التمويل يمسّ كل جانب من جوانب الدورة الاقتصادية، هناك فرص هائلة للبنوك ستمكنها من تحويل قسم إضافي من ميزانياتها إلى مشاريع مستدامة تدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لتحقيق رفاه واستدامة الأرض في المستقبل.

ـــ المدير التنفيذي الإقليمي، أفريقيا والشرق الأوسط- بنك ستاندرد تشارترد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات