من يوليو 1952 إلى يونيو 2013

قد يندهش البعض من استمرار الهجوم الشرس على جمال عبد الناصر وثورة يوليو، وكون هذا الهجوم يستعر بضراوة هيستيرية، خاصة في المناسبات، مثل ذكرى ميلاد الزعيم الراحل أو ذكرى قيام الثورة، ولكني، وبعد طول معاناة في البحث والاطلاع على مختلف الدراسات، خاصة الأجنبية، لم يعد يدهشني أبداً هذا الهجوم الذي يستهدف من وجهة نظري المتواضعة، الشعب المصري بصورة خاصة والعربي عموماً.

فمن نافلة القول، إن عبد الناصر في رحاب الله منذ نحو نصف قرن من الزمان، وتوالى بعد رحيله عدد من الرؤساء على حكم مصر، وإذا تعمقنا في الأمر بصدد موقفهم الهجومي، فإنه مازال يحكم فعلاً، حيث يتمسك الشعب في أغلبيته الساحقة بمشروع ثورة يوليو التي ألهمت العالم الثالث كله تقريباً وصارت ولا تزال، مثالاً يحتذى.

وتتسم بعض المقالات، بغل واضح ضد شعب، «لم يعد الاتحاد الاشتراكي يصدر له التعليمات، ولا البوليس الناصري يهدده»، ومع ذلك يتمسك هذا الشعب بقيم جسدها جمال عبد الناصر وأهمها، تحقيق العدالة الاجتماعية، التي جعلت ٩٥٪ __ يؤمنون بأن يوليو هي ثورتهم و٥٪ ــ يناصبونها العداء المستحكم.

وإذا التزمنا «بالمعايير الديمقراطية»، التي يدعي أعداء ثورة يوليو إيمانهم بها، فإن التفاف الأغلبية الساحقة من الشعب حول عبد الناصر، وبقاء أقلية صغيرة جداً ترفضه، يكون هو حبيب الشعب فعلاً ويكون إيمان المصريين وانحيازهم لثورة يوليو هو الصحيح والمؤكد..

والغريب أن البعض وصل به تجاهل الشعب، إلى إنكار ما عشناه وعايشناه، نحن جيل الستينيات من إنجازات عملاقة، ونحن نرفع رؤوسنا بفخر واعتزاز بعد التخلص من الاحتلال البريطاني الكريه، والذي كان الملك فاروق لا يستطيع أن يعصي له أمراً كما حدث إبان محاصرة القصر الملكي في فبراير عام 1943، وانصاع الملك فتم فك الحصار المزري والمخجل.. ويتعجب المرء من أناس يجاهرون بالحنين إلى فترة الاحتلال، وينكرون فضل تضحيات أبطالنا وشهدائنا لتطهير الوطن من دنسه. وما يؤكد في رأيي، أن العداء للمشروع وليس للشخص، موقف الإدارة الأمريكية من ثورة ٣٠ يونيو وهو ما لخصه السيناتور الأمريكي الراحل، جون ماكين بقوله «لن نسمح بظهور ناصر آخر»..

وكنت قد أشرت في مقال لي آنذاك، بأنني اخترت السيسي رئيسي بعد اطلاعي على عبارته الخالدة «إن الإرادة المصرية لن تعلو عليها إرادة أخرى»، وكان هذا في رأيي جوهر سياسة عبد الناصر، فقد وضع مصر، شعباً ومكانة ومكاناً، فوق أي اعتبار آخر، ولم يستمع إلى المتخاذلين، مع افتراض حسن النية، الذين اعتبروا الذود عن استقلالنا وكرامتنا، «تهوراً!!!» من الزعيم الخالد، لكونهم من أنصار، المشي بجوار الحائط، حتى عدوان ٥٦ و٦٧ أصدروا صك البراءة للمعتدين ووحشيتهم وحملوا وزر عدوانهم لقائد يوليو..

والغريب أن كل هؤلاء لم يقدموا تفسيراً واحداً، لن أقول لانتشار صور عبد الناصر في البيوت، ولكن على الأقل، لعشرات القصائد التي نظمها شعراء من كل أرجاء الوطن العربي، تتحدث عن مكانة ناصر في القلوب، من المحيط إلى الخليج، العراق وسوريا وفلسطين ولبنان وغيرها وطبعاً مصر، وهو ما لم يجد الأعداء رداً عليه، خاصة وأن هذه القصائد صدرت بعد رحيل عبد الناصر، الذي ادعوا إننا كنا نخافه..

وأذكر في جنازة شهيد مصر الكبير الفريق عبد المنعم رياض، أن أحاط آلاف المشيعين بعبد الناصر وصدرت صحف أجنبية تشير إليه وسط الجماهير، من دون حرس خاص، وكتبت إحداها تقول ما معناه، إنه يجب إعادة النظر في «نظرية» البعض التي تؤكد ديكتاتورية عبد الناصر، لأنه وسط الناس، لو أراد أحد قتله، لأمكن ذلك بسهولة بمجرد حجر.

ورغم اختلاف العصر والظروف، فإن العداء للمشروع مازال قائماً وأحد أهم الأدلة وصف ثورة يونيو عام 2013 التي شارك فيها أكثر من ثلاثين مليون مصري ضد حكم الإخوان الإرهابيين، بالانقلاب!!! وكان الشعار الأبرز في هذه الثورة يطالب بالعدالة الاجتماعية، والتي كانت ركيزة ثورة يوليو.

* كاتبة ومحللة سياسية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات