حدائق يوليو اليانعة

سبعة وستون عاماً مرت أمس على ثورة 23 يوليو 1952، التي غيّرت الموازين في منطقتنا العربية، وامتد أثرها من داخلها إلى خارجها في قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. وقبل أن يلقمني أحدهم بسؤال بات كالأسطوانة المشروخة يتردد سنوياً، وما الذي بقي من تلك الثورة؟ أقول بقي منها ما لا يباع ولا يشترى ولا يمكن طمسه بالتجاهل والافتراء والنكران.

وبعد سنوات قليلة من تولي الضباط الأحرار السلطة، تشكلت ملامح المجتمع المصري الجديد الذي بني على أنقاض الهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي سبقته، فأجلى الضباط الأحرار الاحتلال البريطاني عن البلاد، ووزعوا الأرض على صغار الفلاحين، وأمموا الشركات والبنوك الأجنبية لصالح ملكية الدولة الوطنية، وبات الناس مواطنين متساوين لا فرق بينهم بين غني وفقير وبين رجل وامرأة سوى بالكفاءة والاجتهاد والعمل، وصارت تلك الثلاثية البناءة، هي سلم الصعود الاجتماعي ومعياراً للمكانة في مجتمع يوليو الذي فتح طاقة الحلم لسموات لا حدود لأفقها لأمة العرب التي كانت مستباحة، بتحدي أعتى المستحيلات لبناء الدولة الوطنية القادرة بذاتها، لا بغيرها.

وقدم الضباط الأحرار أنفسهم للعالم باعتبار مصر جزءاً من الأمة العربية، ودولة معادية للاستعمار وللأحلاف العسكرية «تبني ولا تهدد، تصون ولا تبدد»، كما كان يؤكد زعيمها جمال عبد الناصر، واصفاً دولة الوحدة، التي كان يحلم بتمددها من المحيط إلى الخليج، ليصد العرب بها مطامع الغزاة في مواردها، ومات محسوراً بفشلها.

أطلقت ثورة يوليو القدرات الجبارة الكامنة في المنطقة العربية، فحازت كل دول المنطقة على استقلالها، بعد أن كانت تحظى خمس دول فقط قبل نشوبها بهذا الاستقلال.

وكرست يوليو مفهوم الكرامة الوطنية كواحد من القيم الأخلاقية العليا على المستويين الفردي والجماعي، وهو المفهوم الذي شجع الدول العربية على السعي لبناء جيوش وطنية تدافع عن استقلالها ومصالحها، وتصون ثرواتها من مطامع الاستعمار. وهو المفهوم نفسه الذي قوّى جبهة مصر الداخلية في مواجهة الهزائم والمعارك والعواصف والمؤامرات التي أعدت لها.

هذا وغيره هو ما سيبقى من حدائق يوليو اليانعة ليوم الدين.

ولم تكن ثورات ما سمي بالربيع العربي استعادة لتلك القيم، بل كانت في الواقع المرير انقلاباً عليها، وعلى أهدافها.

فقد شكل هذا التحول ولا يزال قفزة مغامرة إلى الخلف، بالانقضاض على الدولة الوطنية لهدمها والسعي لتفكيكها بحروب أهلية مذهبية وطائفية وبحصار اقتصادي وبنشر الفوضى والإرهاب، بأسلحة جماعة الإخوان، وأذرعها الإقليمية والدولية والمحلية المنتشرة في دول المنطقة، وبخبث استعماري غربي لا يتوقف عن التدخلات العنيفة والظاهرة والمستترة من أجل الإبقاء على الجماعة جزءاً من المشهد السياسي في الساحة العربية، برغم أنها لا تؤمن أصلاً بالدولة الوطنية، أو بالأحرى بسبب ذلك.

لن يعدم أحد الدليل على ذلك من متابعة ما يجري في كل من تونس والجزائر وليبيا والسودان وسوريا، والحرب الاقتصادية التي لا تتوقف ضد مصر لإسقاطها حكم الجماعة الفاشي والفاشل، وإدراجها في قائمة المنظمات الإرهابية.

ويكرر الفرع التونسي لجماعة الإخوان السيناريو نفسه الذي جرى في مصر، دون أدنى رغبة في التعلم من أخطائه وكوارثه، بإعلان راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الترشح في الانتخابات البرلمانية في أكتوبر المقبل تمهيداً لخوض الانتخابات الرئاسية نهاية العام الجاري، وهو الإعلان الذي فاجأ به أعضاء حزبه قبل غيرهم!

كان من المتوقع أن تؤدي تلك التطورات إلى أن يفقد مصطلح الثورة معناه الإيجابي التقدمي، وأن يصبح مرادفاً للفوضى والتخريب والدمار، بعدما صار من لا يؤمنون ببناء الأوطان ومن لا يخجلون من الجهر بالعداء لها، جرياً وراء أوهام أممية زائفة، هم المرشحون لقيادتها.

وإذا كان لأحد أن يتعلم من دروس التاريخ، فعليه أن يتذكر أن يوليو التي سميت بالثورة البيضاء، قامت دون أن تريق قطرة دماء واحدة، وأن منهج الإصلاح الذي يقود إلى بناء دولة الدستور والحقوق والقانون، ويصون الحريات الاجتماعية والسياسية، بات هو حائط الصد المتين أمام كل المغامرين والساعين للعبث بمصائر دول المنطقة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات