تخصيب العقول الضعيفة

لا يثير العجب فقط، بل يثير الاستهجان، أن تباشر إيران، حسب تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني، الأسبوع الماضي، تخصيب اليورانيوم بنسبة محظورة بموجب الاتفاق حول برنامجها النووي، وهي نسبة تفوق 3,67%، الحد الأقصى الذي نص عليه الاتفاق الموقّع في يوليو 2015 في فيينا بين طهران والدول الست الكبرى الذي انسحبت منه أمريكا وطالبت بتعديله، وفرضت عقوبات كثيرة على طهران لتقبل بشروطها الجديدة.

من المفترض، حسب روحاني، أن التخصيب قد بدأ الأحد من هذا الأسبوع، لكن تصريحات روحاني واجهت تنديداً شديد اللهجة من الولايات المتحدة، وكذلك من أوروبا والصين وروسيا، فلم تُصدق لغة روحاني بأن التخصيب سيكون لأهداف «سلمية».

الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تقف متفرجة، بل دعت إلى عقد اجتماع طارئ في الـ10 من يوليو، بطلب من الولايات المتحدة لبحث انتهاك إيران بنود الاتفاق، وقد يثبت، قبل عقد الاجتماع أو بعده، انطلاق إيران في مشروعها الإرهابي الذي سيؤدي بلا شك إلى أن تقرر الوكالة الدولية وقف عمليات المراقبة والتفتيش نتيجة الانتهاكات، ما سيدعو أمريكا، وبريطانيا أيضاً، إلى التحضير الفوري والعاجل لحفل «الشواء الأخير»، وتقريب ساعة الصفر لمهاجمة إيران، في ليل قد يكون مساء 11 يوليو.

فرنسا، التي ما زالت تحاول أداء دور دبلوماسي، أكدت، السبت، عبر مكالمة هاتفية استمرت أكثر من ساعة، بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والإيراني حسن روحاني، عن قلقها البالغ في مواجهة خطر إضعاف الاتّفاق النووي الموقّع مع إيران والعواقب التي ستلي ذلك بالضرورة، وهو الأمر الذي يشي بوضوح أن فرنسا قد تتحول في أية لحظة إلى معسكر الحلفاء، الذي سيلتئم بسرعة، بعد قرار الوكالة الدولية، أو مجلس الأمن، إذا تبين أن إيران قد شرعت في تجاوز الحد المسموح به في الاتفاق لمخزونها من اليورانيوم المخصب.

لا أعتقد أن باقي الدول، الموقعة على الاتفاق النووي، كالصين وروسيا، قد تنتقلان، خلال ليلة وضحاها، إلى معسكر الحلفاء، ليس لأن إيران حليف استراتيجي لهما، ولا محبة في خامنئي، بل لأن الخلافات الأمريكية الروسية وكذلك الصينية، ستجعلهما، يفكران طويلاً، في مصالحهما «بعيدة المدى»، في حال قرر الحلفاء توجيه ضربة موجعة إلى خاصرة منصة التخصيب.

لكن روسيا والصين، أمام المجتمع الدولي، وشعوب المنطقة، ملزمتان بإيجاد حل بديل، يمنع انتهاك إيران لتعهداتها، حسب الاتفاق، بعدم امتلاك السلاح النووي والحد من أنشطتها النووية، ولكنهما في الوقت ذاته، غير قادرتين، على تقديم ضمانات، تُرفع بموجبها العقوبات الدولية على طهران، ما يعني أنهما ستكتفيان بإطلاق التصريحات المحشوة بوجهين أحدهما ساخن، والآخر بارد.

وجهة نظري أن روحاني، الذي فشل بإمساك العصا من المنتصف، سوف يتراجع قسراً، قبل أن يعقد اجتماع الوكالة الدولية الأربعاء، حيث سيتراءى له خروج مفتشي الوكالة الدولية من العراق، وما تلاها من أحداث مرعبة، جلبت الخراب للعراق والمنطقة، وهذا ما يراهن عليه الرئيس الأمريكي ترامب، أن تتراجع طهران وتقبل بالمفاوضات، أو تنتفض الوكالة وترفع يدها، أو تغسلها، من إيران، الذي سيفتح الطريق إلى حصن الحرس الثوري الإرهابي، أمام الحلفاء، ويجعله ممهداً.

المشكلة مع إيران ليست في تخصيب اليورانيوم فقط، بل هي أعقد بكثير، فهي من وجهة نظري في تخصيب العقول الضعيفة، في بعض الدول العربية، كالعراق وسوريا ولبنان واليمن، والتحضير لقدوم المنتظر، أو كما قال غسان شربل: «تخصيب أوهام الدور الإقليمي أخطر من تخصيب اليورانيوم».

 

ـــ كاتبة وإعلامية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات