نار الواقع ومقلاة البحر

سقط رجل في حديقة عامة في منطقة كلابام جنوب لندن. اتضح أنه فارق الحياة بعد ما سقط من مقصورة عجلات الهبوط في طائرة ركاب كانت في طريقها إلى مطار هيثرو قادمة من كينيا.

في الأسبوع نفسه، اعتقلت الشرطة الإيطالية قبطانة ألمانية لسفينة إنقاذ مهاجرين تابعة لمنظمة غير حكومية، وذلك بعد ما رست في ميناء لامبيدوزا دون إذن. ظلت السفينة في البحر لمدة تزيد على أسبوعين وعلى متنها عشرات المهاجرين. وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني – المعروف بمناهضته للهجرة - حذر المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال إنقاذ المهاجرين من إنها لن تتمكن بعد ذلك من إنزال أحد عند الشواطئ الإيطالية. وعلى الرغم من أن القضاء الإيطالي أمر بإطلاق سراح القبطانة بعد أيام قليلة، إلا أن الحادث يقول الكثير عن حركة الهجرة والمهاجرين.

وأبى الأسبوع أن ينتهي دون أن تطالعنا أنباء عن غرق نحو 80 مهاجراً بعد ما غرق زورقهم قبالة السواحل التونسية.

حدث ذلك في أسبوع واحد فقط. فما بالك من حركة «محاولات» الهجرة الدائرة رحاها على مدار الساعة من الجنوب صوب الشمال؟ ما الذي يجعل رجلاً في كامل قواه العقلية يتشبث بعجلات طائرة يعلم إنها ستطير لمدة ثماني ساعات في درجات حرارة متجمدة ولا يحمل معه سوى حلم احتمالات تحققه واحد في المليون وهو الهروب من الجنوب للشمال؟!

وما الذي يدفع الآلاف للاستمرار في محاولات عبور المتوسط على أمل الوصول لشاطئ إيطالي أو يوناني هرباً من أفريقيا وربما آسيا عبر ليبيا؟

وما الذي يجعل بعض أولئك يعاودون كرة محاولة الهروب رغم قصص الموت في عرض البحر التي لا تحكى لهم، بل يعايشونها بأنفسهم من خلال موت قريب أو صديق أو جار؟

ورغم أن الهجرة من مكان إلى آخر هي سمة إنسانية ارتبطت بوجود الإنسان على مر التاريخ، حيث نزوح من هنا لهناك، وانتقال من الشرق إلى الغرب أو من الغرب إلى الشرق بحثاً عن حياة أخرى أو عالم مختلف أو تجارة أو ما شابه، إلا أن معدلاتها في السنوات القليلة الماضية، وتركزها في منطقتنا العربية بلغت نسباً غير مسبوقة.

وبحسب منظمة الهجرة الدولية، فإن حركة الهجرة في العالم اليوم هي الأعلى في التاريخ، ومعدلاتها تزيد بسرعة مستمرة. وبلغة الأرقام، فقد زاد عدد المهاجرين من 152 مليون إنسان في عام 1990 إلى 173 مليوناً في عام 2000، ثم 250 مليوناً في عام 2019! أما اللاجئون، فقد بلغ عددهم نحو 19.5 مليون لاجئ بالإضافة لـ38.2 مليون نازح داخلياً بسبب الاقتتالات والحروب ليصبح لدينا 59.5 مليون لاجئ وطالب لجوء ومهجر قسرياً.

وبعيداً عن المفاهيم السامية التي تحرك عمل المنظمات الأممية التي تحمي فكرة الهجرة وتدافع عن المهاجرين بغض النظر عن أسباب الهجرة ودوافعها، واعتبارهم قيمة مضافة وإمكانات جديدة للدول التي ينزحون إليها، إلا أن موقف أوروبا ـ حيث النسبة الأكبر من الدول التي يحلم المهاجرون واللاجئون بالوصول إليها والاستقرار فيها ـ بات مقاوماً لتلك الهجرة القادمة بشكل مكثف من المنطقة العربية وأفريقيا.

وبعيداً أيضاً عن محاولات تجميل اللجوء والتنقيب عن قصص نجاح وإبداع في صفوف اللاجئين لتسليط الضوء عليها، فإن المحصلة النهائية تشير إلى اختلال واضح في موازين الكوكب وأحواله.

أحوال الكوكب تنبئنا أن دولاً عدة عربية تعاني اقتتالات داخلية وتهديدات إقليمية وإرهاب متعدد الجنسيات. ويخبرنا الكوكب كذلك أن جانباً مما يجري هو أعراض جانبية للربيع المتحول شتاء قارساً.

جميل جداً جمع الأموال لصالح المهاجرين، ومتابعة أنشطة المجتمع المدني الغربي الداعم للاجئين ومساعدة المهاجرين. لكن المطلوب علاج للأسباب التي تؤدي إلى هروب الملايين من مقلاة الواقع إلى نار البحر ولهيب الاختباء في عجل الطائرات، مع تجفيف منابع إشعال الفتن وتأجيج المؤامرات.

* كاتبة صحافية

طباعة Email