«الممر» من اليأس إلى الانتصار

لعله لم يكن من قبيل الصدفة، أن تدفع الجهات المعنية بعرض فيلم «الممر» في هذا الشهر، الذي يصادف مرور اثنين وخمسين عاماً على هزيمة يونيو 1967. ولعله كان من الصدف، أن يعرض الفيلم في الوقت الذي تقام فيه بطولة كأس الأمم الأفريقية في مصر.

ولعله كان هو «أنيس زكي» بطل رواية نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل» الذي قال: يبدو أن لا كرامة لأحد في هذا البلد، إذا لم يكن لاعب كرة قدم أو فنانة، ساخراً بمرارة من أجواء مرتبكة وضائعة قبل وقت قليل من وقوع الهزيمة.

ولعل الزمن لو عاد بأنيس زكي ليطل على المشهد الحاضر، لكان أفاق من إدمانه للمخدرات، وغيّر رأيه في الأسباب التي تسمو بالكرامة، وتلك التي تحط بها، ولتبين له أن الفن وكرة القدم ممكن أن يكونا مدخلاً لإعلاء الكرامة والاحتفاء بها.

يروي فيلم الممر ببراعة مكتملة الأركان، جانباً منسياً من حرب الاستنزاف من خلال واقعة حقيقية لفرقة من الصاعقة المصرية تدمر معسكراً للجيش الإسرائيلي، وتحرر عدداً من الأسرى المصريين.

وكانت حرب الاستنزاف التي بدأت عقب عشرة أيام فقط من وقوع الهزيمة هي التي حررت البلاد من حالة اليأس، وأفاقتها على قوة إرادتها التي لا تهزم، وكان الدليل الأول على ذلك هو رفض المصريين والعرب القبول بنتائجها، وخروجهم عن بكرة أبيهم في كل المدن العربية في التاسع والعاشر من يونيو، يرفضون تنحي الزعيم جمال عبد الناصر عن موقعه، لتغدو «الممر» الصلب الذي مهد فيما بعد لنصر أكتوبر عام 1973، والتي لولاها ما كان يمكن إحرازه. لكن ضيق الأفق السياسي، الذي ساد بعد ذلك هو ما عرقل تسليط الضوء عليها، والكشف عن دورها الحاكم في تحقيق ذلك النصر!

بدأت تلك الحرب في 15 يونيو 1967، وكبدت إسرائيل قتل 1424 من جنودها، ومكنت مصر من إعادة بناء سلاح الجو المصري، الذي تم تدميره بالكامل في الحرب، وتحويل عقيدته القتالية من الدفاع إلى الهجوم تحت غطاء من حائط الصواريخ الذي تم بناؤه بمساعدة من السوفييت في الضفة الغربية للقناة، ونجاحه بسبب ذلك من التقدم نحو شرقها، وتكبيد إسرائيل خسائر في سلاحها الجوي وإحداث تحول في ميزان القوى لصالح الجيش المصري قبل وقت وجيز من وقف القتال، الذي سعت إليه تل أبيب في 8 أغسطس 1970، فيما عرف بعد ذلك بمبادرة روجرز.

ودفع هذا التحول الجنرال الإسرائيلي عزرا وايزمان، الذي شارك كطيار في الهجوم على سلاح الطيران أثناء حرب الأيام الستة التي وقعت فيها أراضي أربع دول عربية تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي إلى القول إن حرب الاستنزاف سوف تدخل التاريخ بوصفها الحرب التي خسرتها إسرائيل.

تحول عرض فيلم «الممر» إلى مناسبة للبهجة والفرح، وامتلأت قاعات عرضه بجمهور حاشد، وبأسر تصطحب أطفالها وأبناءها ليطلعوا على ما لا يعرفونه من تاريخ وطنهم. وكان من المشاهد الباعثة على الأمل تفاعل الأطفال والصبية والشباب الإيجابي مع أحداث الفيلم، وغناؤهم مع محمد الشرنوبي أحد أبطاله: لسه جاي من وسط العتمة ضي، يفرد جناح النور ويوهبلك حياة، تفتح عيونك ع الأمل وتشوف مداه، وساعتها بس هتعرف إنك لسه حي، ولسه عندك حلم وهتفضل وراه.

ولم يكن هناك من معنى لذلك إلا أنهم لم يكونوا يشاهدون الفيلم للمرة الأولى. لكن الأكثر إدهاشاً من ذلك أن هؤلاء الشباب هم أنفسهم الذين قاموا بتنظيف الاستاد الذي استقبل البطولة الأفريقية، والذين عملوا متطوعين كمرشدين سياحيين للفرق الأفريقية الوافدة، وكمنظمين ومشرفين على أعمال الدورة وفي كل أندية الجمهورية، وفي القيام بدور المترجمين في أحيان أخرى لأعضاء الفرق المشاركة. ولا معنى لكل ذلك سوى أن الإرادة السياسية إذا حضرت فلا شيء يعوق الإنجاز، ويصبح المستحيل طيعاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات