الاستثمار في الرعاية الصحية استثمار في المستقبل

يعدّ الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية، مهما اختلفت الظروف، استثماراً ممتازاً في المستقبل، وذلك نظراً لما يحققه من مكاسب على رأس المال.

وتسهم عوامل أساسية، مثل شيخوخة السكان، والانتشار المتزايد للأمراض المزمنة، والتطوير المستمر للأدوية والأجهزة المبتكرة، ونظام تقديم خدمات الرعاية الصحية - والذي لا يزال غير مترابط وناضج لتطبيقات الابتكار والإحلال التكنولوجي والتوحيد - تسهم معاً في جعل قطاع الرعاية الصحية وجهة جاذبة للاستثمارات.

وبحلول عام 2022، من المتوقع أن يقفز عدد سكان منطقة دول مجلس التعاون الخليجي من نحو 60.6 مليوناً إلى 61.6 مليوناً، سيشكل منهم السكان في عمر 50 عاماً وما فوق، نسبة 17 %، وسيؤدي هذا الارتفاع إلى مزيد من الضغط على منظومة الرعاية الصحية الحالية، وهنا تكمن الفرصة أمام شركات الرعاية الصحية، لتوسيع نطاق عروضها بسرعة، وتلبية الطلب المتنامي.

ومن المتوقع أن يصل الإنفاق على الرعاية الصحية في الشرق الأوسط في عام 2022، إلى 104.6 مليارات دولار (384.2 مليار درهم)، ارتفاعاً من 76.1 مليار دولار (279.5 مليار درهم) في 2017، وذلك وفقاً لتقرير صادر عن بنك الاستثمار «ألبين كابيتال».

وفي منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، من المتوقع أن يرتفع الإنفاق على الرعاية الصحية بمعدل سنوي نسبته 6.6 % - أي أسرع من المتوسط العالمي - مع توقعات بأن تصل حصة الإمارات إلى 25 % من هذا النمو بحلول عام 2022. ولذا، فليس غريباً أن تجتذب المنطقة انتباه قادة القطاع والمستثمرين والشركات الدافعة من مختلف أنحاء العالم.

لقد أظهرت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي، حرصاً كبيراً على مواصلة تطوير خدمات الرعاية الصحية في دول المجلس، لكن هناك إدراكاً بأن الاستثمار الكبير والمتواصل في الرعاية الصحية، يشكل عبئاً اقتصادياً، حيث تتزايد تكاليف الرعاية الصحية بنسبة تتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأوقات التي تكون فيها فرص ضمان الاستثمار المستدام محدودة، تصبح المسارات الجديدة موضع ترحيب دائماً.

وتتصدر الإمارات والسعودية بحصة مجمّعة، يتوقع لها أن تتجاوز نسبة 80 % من نفقات الرعاية الصحية الإقليمية في عام 2022. وأكدت حكومتا البلدين عزمهما على تحسين المساحة المتاحة لقطاع الرعاية الصحية فيهما، ضمن خطط التحول الوطنية، رؤية الإمارات 2021، ورؤية المملكة 2030، وأتاح هذا التركيز الحكومي على قطاع الرعاية الصحية، زخماً كبيراً لدعم النمو.

وصُممت البرامج الحكومية المتنوعة بين شراكات القطاعين العام والخاص، وبين التشريعات الناظمة، بهدف تشجيع إدماج مقدّمي خدمات القطاع الخاص، لضمان تخفيف العبء عن مؤسسات القطاع العام، وإيجاد مصدر لتنويع الاقتصاد القائم على المعرفة وتنميته.

ويسهم النقاش العام الدائر حول قطاع الرعاية الصحية، وشبكة التشريعات المعقدة ضمن المنطقة، في جعل هذا القطاع مجالاً صعباً أمام الاستثمار، فلا مجال لدخول المستثمرين بصورة اعتباطية، حيث يحتاجون إلى فهم تقني شامل للتطورات العلمية والتنظيمية ضمن الأسواق المعنية.

وفي بيئة الأعمال ذات القيمة العالية، لا يمكن للمستثمرين وصناديق الاستثمار الخاصة، الاعتماد على التوسع المتعدد وحده لتحقيق الإيرادات. وعندما تتمكن صناديق التمويل من تنفيذ خطة موثوقة لتحقيق النمو بشكل فوري بعد تحديد أهدافها، فإنها قد تضمن توليد دورة إيجابية مثمرة لتحقيق القيمة.

وبغض النظر عن الدخول في هذه اللعبة الاستثمارية بعيدة المدى، فإن الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية لا يتوقف فقط عند تحقيق العائدات، فقد تستهدف الاستثمارات في شركات أو مؤسسات أو صناديق ضمن هذا القطاع، تحقيق فوائد اجتماعية أو بيئية قابلة للقياس، إلى جانب تحقيق العوائد المالية.

وكما يتضح من مستوى نمو ربحية أسهم هذا القطاع في مختلف أنحاء المنطقة، والذي يبلغ حالياً حوالي 24 %، فإن قطاع الرعاية الصحية مؤهل ليكون مجالاً استثمارياً عالي المردود، حيث كان أداء الأسهم في قطاع الرعاية الصحية على الدوام إيجابياً على صعيد المؤشرات الإقليمية، وسجل متوسط عوائد مزدوج الخانة على مدى سنوات عديدة.

ويعتبر تحديد الوقت المناسب للخروج من أي قطاع حجر الزاوية في أي استراتيجية استثمارية. وعادة ما أتاحت شركات الأسهم الخاصة، فرصة لدخول المشترين من الشركات ومجموعات الرعاية الصحية الأخرى، الهادفة إلى التوسع على صعيدي الجغرافيا والقطاع. وعلى سبيل المثال، أسهم الاستحواذ على مجموعة مستشفيات النور في أبوظبي من قبل «ميدكلينيك» في جنوب أفريقيا عام 2015، بدفع الإيرادات الأساسية إلى 1.77 مليار درهم خلال عام واحد، وهو ما يشكل زيادة نسبتها 35.54 %.

وبالمثل، استحوذت «إن إم سي هيلث» على حصة 70 % من «كوزميسيرج» والشركات المتصلة، مقابل 170 مليون دولار من مجموعة الإمارات للرعاية الصحية، وحصة 80 % من مجموعة السلام الطبية في الرياض، مقابل 37 مليون دولار.

ومع تواصل مسيرة التوحيد المتنامي للمؤسسات العاملة في قطاع الرعاية الصحية، ستتاح الفرصة أمام مؤسسات التمويل لتنويع استثماراتها، لتواصل بذلك المحافظة على ارتباطها وتنافسيتها ضمن هذا القطاع.

* المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «فاونديشن القابضة»

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات