روسيا في البرلمان الأوروبي

مفارقة غريبة شهدتها الساحة الأوروبية، عندما دخلت أحزاب «ناطقة بالروسية» إلى البرلمان الأوربي وهما حزبي «الوفاق، واتحاد لاتفيا الروسي» الأمر الذي وصفه البعض بـ«كتلة بوتن» داخل المؤسسة التشريعية الأوربية، فهل تقتصر «الكتلة الروسية» في أكبر مؤسسة ديمقراطية في العالم على هذين الحزبين الصغيرين أم أن نفوذ روسيا وبوتن أكبر من ذلك بكثير؟ وهل سيؤثر ذلك على السياسات الأوروبية ويجعلها أكثر قرباً من سياسات موسكو؟ وماذا عن الخيارات الأوروبية لمواجهة النفوذ الروسي من قلب البرلمان الأوربي؟

المؤكد أن اليمين المتطرف والشعبويين حصلوا على مكاسب كبيرة في انتخابات البرلمان الأوروبي، لكن ما يقلق المؤمنين بقيم الاتحاد الأوربي أن الأحزاب القومية والشعبوية لديها إرادة سياسية لتغير الخريطة السياسية الأوروبية خاصة تجاه روسيا.

الاتحاد الأوروبي كان ينظر دائماً لموسكو على أنها «الشيطان الأوروبي»، لكن يبدو أن الأيام المقبلة ستحمل «استدارة سياسية» من الأحزاب الشعبوية لمزيد من الانفتاح على روسيا في ظل سعي هذه الأحزاب لتشكيل تحالف في البرلمان الجديد يدعم التعاون الأوروبي- الروسي.

ومنذ عام 2014 والصحافة الغربية تطرح قضية العلاقة بين روسيا والأحزاب الشعبوية فى أوروبا، خاصة أن زعماء هذه الأحزاب تعلن دائماً إعجابها بالرئيس بوتن، وبالسياسات الروسية، وكثير من السياسيين الأوروبيين أمثال مارين لوبن رئيسة حزب التجمع الوطني، وماثيو سالفينى نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ورئيس حزب الرابطة الإيطالي يؤيدون علناً المواقف الروسية، وسبق لهم أن عارضوا العقوبات الأمريكية والأوروبية على روسيا بعد ضم موسكو شبه جزيرة القرم عام 2014، وقاموا بزيارات علنية لموسكو والتقوا فيها بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن مع ارتفاع التمثيل النيابي لأحزاب اليمين التطرف في البرلمان الأوروبي بعد انتخابات مايو الماضي ودخول حزبين ناطقين بالروسية بات الحديث عن تشكيل «كتلة برلمانية روسية» موالية للكرملين في البرلمان الأوروبي مصدر قلق لأحزاب يمين الوسط، والليبراليين، وأحزاب الخضر وغيرهم من الأحزاب التي ترى أن هدف السياسات الروسية هو تقويض الاتحاد الأوروبي وتفكيكه بالكامل، خاصة أن بعض هذه الأحزاب وصلت بالفعل إلى السلطة في إيطاليا والمجر وبولندا والنمسا، وحصل حزب مارين لوبن على المركز الأول في الانتخابات البرلمانية الأوروبية في فرنسا، وحصول الأحزاب اليمينية في هولندا وبريطانيا وألمانيا واليونان على نتائج غير مسبوقة رغم ارتفاع نسبة المشاركة في التصويت لأكثر من 50%.

ولم يقتصر القلق الأوروبي على الجوانب السياسية والتشريعية والبرلمانية، بل وصل الخوف من تسريب المعلومات الأمنية إلى روسيا عبر الأحزاب الشعبوية، ويخشى الجهاز الأمني الأوروبي تبادل المعلومات الحساسة مع حكومات يسيطر عليها اليمين المتطرف خوفاً من نقلها لموسكو، وعبر أكثر من مرة مسؤولين سابقين من المخابرات الألمانية عن خشيتهم من تقاسم معلومات أمنية هامة مع الحكومة النمساوية قبل أن يتركها مؤخراً حزب الحرية اليميني، الذي أبرم اتفاقية تعاون مع حزب «روسيا المتحدة» بقيادة الرئيس بوتن عام 2016، وهذا ليس الاتفاق الوحيد بين روسيا وحزب أوروبي، فهناك اتفاقيات أبرمتها روسيا مع حزب الرابطة الذي يقوده سالفيني في إيطاليا، وهو الزعيم الذي جرى تصويره وهو يرتدي قميص بوتن أثناء إحدى زياراته لموسكو، وفى بولندا والمجر يجري الحديث علناً عن ضرورة تحسن العلاقات الأوروبية مع روسيا، وأن روسيا أقرب للدول الأوروبية من الولايات المتحدة.

وتتهم أحزاب الوسط نظيرتها الشعبوية بأنها تتغاضى عن الحرب التي يشنها الكرملين ضد المؤسسات الأوروبية من خلال استغلال التوترات التاريخية وخلق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، وهذا يصب في صالح موسكو التي تعتمد استراتيجيتها على أن ضعف التعاون المعلوماتي والاستخباراتي الأوربي سيؤدي في النهاية إلى تفكيك الاتحاد الأوربي، فمثلاً عدم الثقة بين الأجهزة الأمنية الأوروبية ونظيرتها النمساوية أثناء مشاركة حزب الحرية في الائتلاف الحكومي أسهم في حرمان النمسا من معلومات أمنية هامة.

وتبدو الخيارات الأوروبية في مواجهة التعاون بين روسيا وكتلة الأحزاب الشعبوية في البرلمان الأوربية قليلة للغاية، حيث طالب بعض الأوروبيين بإجراء تحقيق شامل في التدخل الروسي في الشؤون الأوروبية على غرار التحقيق الذي انتهى منه المستشار الخاص روبرت مولر في الولايات المتحدة، وهناك من يدعو إلى تأسيس مكتب تحقيقات فيدرالي خاص بدول الاتحاد الأوربي، وكل هذه الأفكار تنتظر قرار تشريعي ربما تعطله «كتلة روسيا» في البرلمان الأوربي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات