صراع على سيماندو

أصبح رجل الأعمال الأبرز في مجال التعدين، روبرت فريدلاند، حديث الصحافة الأفريقية خلال شهر مايو الماضي، بعد أن أعلن أنه يسعى جاهداً للحصول على فرصة استثمارية في منجم سيماندو، الذي يعد واحداً من أكبر احتياطيات خام الحديد العالي الجودة في العالم.

اختلط السياسي بالاقتصادي بالقانوني، في الصراع على حقوق التعدين في غينيا كوناكري منذ عقود، وبلغ التنافس منتهاه في عام 2008، عندما ألغت الحكومة الغينية ترخيص لشركة ريو تينتو، أو كما يطلق عليها عالمياً «عملاق التعدين»، في منجم سيماندو، ومنحته للشركة الإسرائيلية التابعة لرجل الأعمال الأشهر في العالم، بيني شتاينميتز، ولمن لا يعرف شتاينميتز، فهو الممول الأول لجمعية رفاهية جنود إسرائيل، التي تدعم بشكل رئيس كتيبة تزابار من لواء جفعاتي الشهير، الذي تأسس في أربعينيات القرن العشرين، ويعتبر من أهم الألوية المقاتلة في الجيش الإسرائيلي.

بعد وصول ألفا كوندي للحكم في كوناكري عام 2010، تم إلغاء الحقوق الممنوحة للشركة الإسرائيلية في سيماندو، لأنها حصلت عليها من خلال صفقة فساد، في ظل الحكم العسكري السابق، وتطور الأمر بإلقاء القبض على وكيل الشركة الإسرائيلية، وخضوعه لتحقيق فيدرالي، بعد ضبط تسجيلات سرية له، تؤكد قيامه بدفع أموال طائلة لمسؤولين للحصول على فرصة في سيماندو، فوجدت ريو تينتو في تلك الأحداث فرصة لاستعادة حقوقها، عبر النظام الحاكم، فأقدمت على خطتين: أولاً، التقرب من المستشار الأول للرئاسة الغينية، فرانسو كومبريت، لاستخدامه مفاوضاً لصالحهم في مشروع سيماندو، وثانياً: رفع دعوى ضد الشركة الإسرائيلية، واتهامها بسرقة حقوق التعدين الخاصة بها، فما كان من بيني شتاينميتز، إلا مواجهة الدولة الغينية وعملاق التعدين، ورفع دعوى تحكيم دولي في المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، ولكن سرعان ما انقلبت الأمور ضد ريو تينتو، عندما رفض القاضي دعوتها، وقال إن ريو تينتو تجاوزت قانون التقادم، عندما رفعت دعوى ضد الشركة الإسرائيلية في عام 2014، وأن الشركة فشلت في تحديد نمط نشاط الابتزاز للمدعى عليهم، ومن جانب آخر، تم الكشف أثناء التحقيق أن فرانسو كومبريت، المستشار الأول للرئاسة الغينية، ما هو إلا واجهة لريو تينتو في كوناكري، وقام بتأسيس شركة خاصة تتعامل مع عملاق التعدين بشكل مباشر، وهي من سهلت له الكثير من الفرص الاستثمارية في غينيا، وأظهرت رسائل البريد الإلكتروني، أن كبار المديرين في ريو تينتو، كانوا يناقشون صحة اختيار كومبريت للتفاوض لصالحهم، وما يؤكد أن هناك ثمة صفقة بين الطرفين، هو رحيل سام والش الرئيس التنفيذي، وأحد المسؤولين الذين ناقشوا دفع عشرة ملايين دولار لشركة فرانسو كومبريت.

استمرت الملاحقات القانونية ضد بيني شتاينميتز، حتى تقدم الرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولا ساركوزي، بمبادرة لحل الخلاف بين كوناكري والشركة الإسرائيلية، وكان من شروط الصلح، تنازل شتاينميتز عن المربعين الأول والثاني من سيماندو، في مقابل تنازل الطرفين عن كافة الإجراءات القانونية المعلقة، وإعلان بدء مرحلة جديدة لتطوير قطاع التعدين، ومن جانبها، أعلنت شركة ألمنيوم الصين المحدودة، المساهم الأكبر مع ريو تينتو، على التعاون مع الحكومة الغينية، ومواصلة العمل في منجم سيماندو، ودعم قطاع التعدين في أفريقيا.

تدرك ريو تينتو ومنافسوها، أن تحديات قطاع التعدين في غينيا، أكبر من تلك الوعود التي نادوا بها، ويبقى السؤال هنا، ما الشكل القادم للصراع في سيماندو، بعد أن تم حل الخلاف الذي أراه حلاً مؤقتاً بين المتصارعين، والذي لا يعني بالطبع أنه لن يعود، ولكن بشكل آخر، خاصة بعد وصول شركات متعددة بمسميات مختلفة إلى سيماندو، تحت ستار البحث عن فرص الاستثمار في قطاع التعدين، وسرعان ما نكتشف أنها مولود جديد خرج من رحم تلك الشركات المتصارعة، فمن يتجول في سيماندو، يدرك أن التأثير الحقيقي في فكر القوى الدولية، لا تكفله مرجعية يقول بها نص، وإنما لا بد لها من حقائق قوة تسندها إدارة تستطيع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات