دروس عشماوي

يوماً ما سنتوقف طويلاً أمام ما جرى من تغطيات وما طرأ من تحليلات وما تم التنفيس والتعبير عنه من مشاعر ومواقف تجاه وصول هشام عشماوي «الإرهابي» «المتهم بالإرهاب» «المجاهد» «المعارض البارز» «المتشدد البارز» «ضابط الجيش السابق» «الضابط المفصول من الجيش المصري» «المعارض المسلح» «القيادي في تنظيم ولاية سيناء» وقائمة طويلة جداً من المسميات والألقاب والتوصيفات.

وكم من توصيف ولقب ومسمى يكشف الكثير عن انتماءات ومصالح وترتيبات وأولويات مطلقة.

وحين أطلقت «يورو نيوز» على عشماوي - الذي تحوي سيرته الذاتية ضمن ما تحوي قيادته الخلية المنفذة لهجوم الواحات الذي راح ضحيته نحو 55 شهيداً من الشرطة المصرية - توصيف «المعارض البارز»، لم يفهم كثيرون المقصود بـ«المعارضة» في هذا السياق وسبب بروزها! وربما استحضر البعض توصيف «المعارضة السورية المعتدلة» التي تحولت «مسلحة» في مرحلة لاحقة من مراحل «الأحداث» التي دمرت سوريا.

تدمير الصور الذهنية الخاصة ليس فقط بالإرهاب والإرهابيين والتي تحولت «مجاهدين» و«مقاتلين» و«معارضين» و«أصوليين» عملية تجري على قدم وساق في عصر الثورة المعلوماتية. وربما تكون أحد أكبر الآثار الجانبية أو الأعراض العكسية الناجمة عن تغلغل الإنترنت في حياتنا وتحول مواقع التواصل الاجتماعي سلاحاً وأداة في يد الجميع. ويصعب تجاهل الأثر الذي يتركه مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي والحراك التدويني النشط من قبل الملايين على كبرى المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها. وليست مبالغة لو قلنا إن هذا الحراك العنكبوتي وما ينضح به من توجهات يعتنقها أفراد يؤثر بشكل كبير في توصيف الفئات المتقاتلة، وتصنيف الأحداث الجارية في المنطقة العربية، لا سيما تلك التي ضربتها رياح «الربيع العربي».

وعلى الرغم من اعتذار «يورو نيوز» المحمود عن عنوانها «مصر تستلم (لاحظ كلمة تستلم أيضاً) المعارض البارز هشام عشماوي من قوات شرق ليبيا (لاحظ أيضاً وصف الجيش الليبي بـ«قوات شرق ليبيا»)»، إلا أنها فتحت الباب للتوقف والنظر بعين التحليل والفهم لمثل هذه المسميات والبحث فيما وراء الاختيارات الإعلامية لزوايا التغطية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر أيضاً، وفي إطار اختيار زاوية بعينها ليتم إبرازها دون أخرى نجد مؤسسة إعلامية أخرى شهيرة، لطالما عٌرفت بمهنيتها التي أبقتها على حياد توصيف المدافعين عن الأرض ضد المحتل بـ«المقاتلين» وليس «المقاومة» مثلاً، والنأي بالمؤسسة عن توصيفات مثل «الاستشهادي» بالبقاء على حياد «الانتحاري»، تتساءل في تغطية على هامش مسألة عشماوي «هل تسليم هشام عشماوي «انتصار» للحكومة المصرية أم «إلهاء» عن انتهاكات سابقة لحقوق الإنسان في مصر؟»، وذلك بناءً على تغريدات لمغردين مصريين. وهذا على الرغم من أن هناك فريقاً آخر من المغردين المصريين احتفى احتفاءً بالغاً بوقوع عشماوي في قبضة الأمن المصري.

وبالطبع تبقى مؤسسات «إعلامية» أخرى وعلى رأسها «الجزيرة» وأخواتها المتناثرات هنا وهناك، حيث تغطيات مكثفة متسائلة عن «سبب» احتفاء مصر «غير المفهوم» بـ«تسلم» عشماوي، وكأنه كان في نزهة أو بعثة دراسية في الخارج! والغريب أن وصف «إلهاء» تردد بكثرة كذلك على أثير «الجزيرة» وأخواتها وكأن هناك تنسيقاً بين الواقفين على هذه الجبهة.

ولأن الجبهات لا تستوي ومستقبل الدول وأمنها وأمن شعوبها، فإن المواقف الإعلامية – سواء التقليدية أو الحديثة من مواقع تواصل وغيرها - المصاحبة لأحداث مهمة مثل وصول إرهابي الفكر والعمل مثل هشام عشماوي تكشف الكثير. وهذا يحتم علينا بعد هدوء فورة الفرة الأولى بالثورة المعلوماتية وعصر السماوات المفتوحة وزمن تمكين الجميع من أدوات المعرفة والتعبير أن نتروى ونتفكر فيما يعرض أمامنا من تغطيات وتحليلات. ويتوجب علينا أيضاً إدماج مناهج لتوعية الأصغر سناً بكيفية تحليل المضامين الإعلامية والتعامل معها باعتبارهم متلقين ناشطين فاهمين واعين للصورة الأكبر.

الصورة الأكبر لما يجري حولنا من أحداث متسارعة في منطقتنا العربية، لا سيما في منذ أوائل عام 2011، آخذة في التجلي والوضوح. لوغاريتمات عدة تتكشف وألغاز كثيرة تتضح، لكنها تحتاج منا إلى مجهود ورغبة للمشاركة في الفهم والاستبيان.

ليس المطلوب مزيداً من التحزبات أو الانقسامات في عالمنا العربي. وليس المرجو الضلوع في حروب باردة عالمية تحسب علينا ولا تضاف إلى رصيدنا. لكن ما نأمل إليه عربياً – على الأقل بين الشعوب التي تجمعها معرفة ووعي بمستقبلها وصالح أبنائها وبناتها – أن تنتهج نهجاً أكثر فعالية وأعمق معرفة وأدق تحليلاً تجاه ما نتلقاه إعلامياً على الشاشات بأنواعها والصفحات بأشكالها.

* كاتبة صحافية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات