واشنطن ومساعداتها لأمريكا الوسطى

أعلنت الإدارة الأمريكية أخيراً أنها ستعلق المساعدات الخارجية لعدد من دول أمريكا الوسطى، بما في ذلك: السلفادور وغواتيمالا وهندوراس.

وبرر أحد المتحدثين في البيت الأبيض ذلك بأن المساعدات يجب أن تكون مشروطة بخدمة أي دولة «المصالح الاستراتيجية الأمريكية» كي تستحق المساعدات. ورد النقاد على ذلك بشعور من خيبة الأمل، مشيرين إلى أن الرئاسة الأمريكية من خلال خفض هذا الدعم تزيد من دفع هذه البلدان إلى مستوى الفقر، مما يولّد المزيد من الضغوط للهجرة الخارجية منها إلى الولايات المتحدة، وهذا ما يتعارض مع سياسة إدارة ترامب، مما يجعلها تبدو كخطوة عكسية.

ولكن ما الذي يحدث بالضبط هنا؟ في هذه المرحلة، من المعروف جيداً أن الإدارة الأمريكية تتصرف بطريقة المعاملات التجارية في شعار «أمريكا أولاً»، حيث تهدد وتجبر وتوقف الدعم للبلدان التي لا تمتثل لرؤيتها المهيمنة من جانب واحد. يتم استهداف هذه الدول لأنها تتخذ خيارات قائمة على المصالح، والتي تجد واشنطن أنها عدوانية، مثل فنزويلا وكوبا، والتي تضغط عليها بشدة.

بادئ ذي بدء، توظف إدارة ترامب تفسيراً خاطئاً بصورة بحتة للمعونة الخارجية. وفي تناقض حاد مع سلفه باراك أوباما، الذي فسر المساعدات الخارجية ليس فقط في ضوء المصالح الاستراتيجية ولكن في ضوء إبراز القوة الناعمة والإنسانية والقيم الأمريكية، فإن شعار ترامب «أمريكا أولاً» يخلو من المبادئ الأخلاقية.

بالنسبة لسياسة البيت الأبيض في العهد الحالي، يتعين أن تتلقى الدول مساعدات ليس لأنها العمل الصحيح الذي يجب القيام به من أجل شعوبها أو تنميتها، ولكن لرغبتها في التمسك بمصالح واشنطن قبل كل شيء. ومن خلال هذا النهج الذي يرتكز على المصالح الذاتية البحتة، لا تهتم واشنطن بقطع المعونات عن البلدان التي لا تتبنى استراتيجيتها.

وتماشياً مع هذا النهج الذي يركز على الفائدة في الإنفاق على المساعدات، اتبعت إدارة ترامب أيضاً سياسة حازمة تجاه الأمريكتين مع إعادة تأكيد الهيمنة الأحادية الجانب في المنطقة. وبسبب إرث الرئيس الأمريكي الأسبق جيمس مونرو، الذي أجبر القوى الأوروبية على الخروج من القارة الأمريكية بدعوى تأكيد أن مجال الاهتمام بالمنطقة يقتصر على أمريكا، فإن هذه السياسة سميت بمبدأ «مونرو الجديد». وقد طبقت إدارة ترامب هذا الهدف على جبهات متعددة.

أولاً، سعى ترامب إلى إعادة التفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) بشروطه وإنهاء حق المكسيك وكندا في إبرام اتفاقات جديدة من دون موافقة واشنطن.

ثانياً، اتخذ الرئيس الأمريكي موقفاً أكثر تشدداً تجاه كوبا وسعى أيضاً إلى الضغط الحكومي من أجل التغيير في فنزويلا، واعتبر هندوراس هدفاً ملحوظاً بشكل علني، فيما عزز مساعداته للدول التي تدور في فلكه هناك مثل كولومبيا.

ثالثاً، تتخذ الإدارة الأمريكية موقفاً أكثر تشدداً تجاه الدول الإقليمية التي تسعى إلى توثيق علاقاتها مع الصين.

وهذا يقودنا إلى حالة السلفادور، وهي آخر الدول المشمولة بقطع المساعدات. فقد غيّرت السلفادور قبل عام اعترافها الدبلوماسي من تايوان إلى الصين، وأقامت علاقات دبلوماسية مع بكين، وبالتالي اعترفت بسياسة الصين الواحدة. وهي واحدة من سلسلة من البلدان الإقليمية التي أقدمت على ذلك. وتفكر غواتيمالا باتخاذ خطوة مماثلة، وهذا هو السبب في استهدافها بقطع المساعدات.

تجدر الإشارة إلى أنه قبل عام، استدعت الولايات المتحدة سفراء العديد من الدول في الأمريكتين الذين قاموا بإحداث تغيير في علاقاتهم الدبلوماسية.

وفي الوقت الذي سعت فيه واشنطن إلى الحفاظ على علاقاتها مع كل هذه الدول وجعلها تدور في فلكها، فإن التدخل المستمر بشؤونها غالباً ما يكون على حساب تطورها ورفاهيتها، مما يجعلها فقيرة ولا تستفيد إلا قليلاً من هذه الهيمنة.

ونتيجة لذلك، شهدت كل هذه الدول فوائد في توثيق العلاقات مع بكين. والآن، يتم معاقبتها على ذلك. وبالنظر إلى ذلك، فإن نهج إدارة ترامب تجاه الأمريكتين بسيط للغاية: إما أن تتفق مع الولايات المتحدة من دون خيار، أو أن بلدك سيعاني من سحب المساعدات وتطبيق العقوبات عليه وحتى إجراء تغيير حكومي فيه. ومع ذلك، ليست هذه السياسة شيئاً جديداً لأنها في نهاية المطاف سياسة دائمة تطبقها واشنطن.

وبالطبع، ليس هناك مزيد من المفارقة في النهاية لاستمرار الفقر وعدم الاستقرار والأزمات في أمريكا اللاتينية، ومن ثم الشكوى من الهجرة إلى الولايات المتحدة واشتعال التوترات العرقية فيها.

* خبير استراتيجي في جامعة أكسفورد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات