رسائل الفريق البرهان من القاهرة

شكلت زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان للقاهرة، حدثاً مهماً ستنعكس آثاره، ليس فقط على مسار العلاقات المصرية - السودانية في المرحلة المقبلة، بل أيضاً على مستقبل العلاقة الحافلة بالشكوك والريب بين المجلس وقوى التغيير، خاصة بعد أن تعثرت المفاوضات بين الطرفين حول الشروط الواجب تحقيقها لإدارة الفترة الانتقالية، وحول طبيعة تشكيلة مجلس السيادة الذي سيتولى إدارتها.

وما أن تم الاتفاق على أن تكون الفترة الانتقالية ثلاث سنوات، حتى برز الخلاف بين الطرفين بمطالبة قوى الحرية والتغيير بتشكيل المجلس السيادي من ثمانية مدنيين وثلاثة عسكريين، بينما تمسك المجلس العسكري بأن تكون عضويته سبعة من العسكريين وأربعة من المدنيين.

وربما تكمن المشكلة في أن قوى الحرية والتغيير تتمسك بتنفيذ تجارب سودانية سابقة، كان آخرها مجلس السيادة الذي تشكل عام 1986بعد الانتفاضة التي أسقطت نظام جعفر نميري، دون أن تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي طرأت على الداخل السوداني، وعلى الواقع الإقليمي وحتى الدولي.

السودان الذي أسقط نميري، لم يعد هو نفسه من أن أسقط البشير، فقد صار سودانين، بعد انفصال الجنوب وحرمان الشمال من عائدات نفطه، وتشكيله دولة مستقلة. ولم تعد حروبه الأهلية تقتصر كما كان في السابق بين الجنوب والشمال، بل امتدت للغرب والشرق وجنوب الشمال.

وبعد ثلاثين عاماً من حكم ديني متشدد للجبهة القومية الإسلامية، ترك البشير السودان، مفلساً وخزائنه خاوية، وبنيته التحتية مهترئة، وكفاءته إما مهاجرة أو مبعدة بحكم سياسة الإقصاء التي اتبعها نظام الجبهة القومية، وسياسة التمكين التي جلبت الأعضاء والأنصار والأهل والتابعين والفاشلين للهيمنة على مؤسسات الدولة والحكم، وعلى البنوك والمؤسسات التعليمية والأكاديمية والأمنية، فتدهورت الحياة بشكل غير مسبوق، ولم يعد القياس على التجارب التاريخية القريبة أمراً سهل المنال.

أعضاء حزب المؤتمر الوطني الذي كان حاكماً، ويقدر عددهم بسبعة ملايين عضو، ما زالوا في قلب المشهد السياسي، يدافعون عن مصالحهم وامتيازاتهم، ويرفضون إقصاءهم منه.

وهم أحد الأطراف التي تحرّض على الصدام بين المتظاهرين والمجلس العسكري، وتكثف الضغوط على المجلس العسكري بتشكيل ائتلافات تزعم الدفاع عن الشريعة، وتسعى لزيادة الارتباك في الساحة السياسية، وتشتيت الجهود، واختلاق معارك مع مصر ودول الخليج، بترويج أوهام عن التدخل في الشأن السوداني، وإضاعة الوقت الذي تهدر عبره فرصاً للخروج من الأزمة، نتيجة لسوء القصد، وسوء تقدير لموازين القوى الداخلية والخارجية، وربما القراءة الخاطئة للمشهد السياسي.

ولهذا قطعت زيارة الفريق الركن البرهان للقاهرة، الطريق على من يسعون لتسميم العلاقات بين البلدين، وإبعاد السودان عن محيطه العربي، لاسيما وهي أول زيارة له للخارج.

وبرغم أن العلاقات بين القاهرة والخرطوم، تعرضت لهزات قاسية، وتوترات مصنوعة، منذ استقلال السودان عام 1956، لكنها لم تشهد أسوأ من فترة حكم البشير، ففيها جرت محاولة من أركان نظامه لاغتيال الرئيس مبارك، وفتح الأراضي السودانية لتدريب الجماعات الدينية المسلحة الهاربة لشن هجمات داخل مصر، والتزم بسياسة مزدوجة في الخلاف الذي نشب بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة. كما هدد باللجوء للأمم المتحدة لشكوى مصر لخلافات على الحدود!

زيارة البرهان تؤكد أن ذلك بات من الماضي ولن يعود، وأن العلاقات بين الشعبين التي طالما وصفت بالأزلية، والترابط التاريخي بين البلدين، ووحدة المصير المشترك بينهما، هو وحده المستقبل المرسوم لتلك العلاقة.

ومن القاهرة أكد البرهان مشاركته في قمة مكة العربية، وعدم سحب القوة السودانية المشاركة في التحالف العربي في اليمن. وفي المباحثات بينه وبين الرئيس السيسي تم التأكيد على مواصلة التعاون بين البلدين، والإسراع بتنفيذ الربط الكهربائي وخط السكك الحديدية بينهما، والاتفاق على استمرار التشاور لتحقيق استقرار السودان، وتفعيل الإرادة الحرة للشعب السوداني، بالانحياز لخياراته.

على تحالف قوى الحرية والتغيير، أن يلتقط الرسائل التي انطوت عليها زيارة البرهان، وبينها أن عروبة السودان هي قوة تضاف إليه ولا تخصم منه، وأن الأصوات المرتفعة بغير ذلك هي خصم للتطور السلمي الديمقراطي في السودان، وللجهود العربية الساعية لإنهاء أزمته.

وأن على قادة التحالف إدراك أن أطالة أمد الأزمة بالاعتصام والتظاهر والميل للتوجهات الراغبة في الصدام مع المجلس العسكري لن يفضي إلى حلها، في ظل الفراغ الدستوري القائم، وغيبة الطابع السياسي عن تشكيلة المجلس العسكري. وتملي حساسية المرحلة على جميع الأطراف، البحث عن نقاط مشتركة عبر الحوار والتفاوض، إذ البديل عن ذلك تشتت قوى التغيير وشيوع الفوضى!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات