دروس من إنسانية زايد

سيرةٌ مشرقةٌ نُقشت حروفها في قلب كل إماراتي، سيرةُ رجلٍ وهب نفسه لهذا الوطن وأبنائه، وتفانى في إسعادهم، وكان سبباً بعد الله تعالى في نقلهم نقلة نوعية إلى حياة تزهو بالتطور والازدهار والأمل الفسيح، إنها سيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، فارس الإنسانية في العصر الحديث، وباني نهضة دولة الإمارات، الذي بذل كل وقته وجهده في تطوير هذه الدولة، ورفدها بكل المقومات الحضارية الراقية مادياً ومعنوياً، والعناية بمواطنيها ومقيميها، لينعموا جميعاً بالسعادة والرخاء.

لقد تميز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بنهج إنساني رفيع، جعل منه بحراً متدفقاً من العطاء الزاخر، حتى أصبح اسمه شاخصاً في كل مكان، مقروناً ببذل الخير ودعمه، وزرع البسمة على وجوه الناس، وتضميد جراحهم، والتخفيف عنهم، ومد يد العون للمحتاجين أينما كانوا، على اختلاف بلدانهم ولغاتهم وأعراقهم وأديانهم، ومد جسور التواصل الحضاري معهم، حتى أحبه القاصي والداني، وأصبحت سيرته كالمسك على الألسنة تفوح مدحاً وثناء وإعجاباً واحتراماً.

إن إنسانية زايد الخير مدرسة كبرى نتعلم فيها دروساً كثيرة، ونستمد منها قيماً مشرقة تنير لنا واقعنا، ومن أهمها القيم الوجدانية التي تتجلى ثمارها في التعامل الراقي مع الآخرين، ومن هذه القيم العطف والرحمة والشفقة ببني الإنسان، فالرحمة من أعظم الصفات الإنسانية، وهي رقةٌ في القلب تثمر عن إيصال المعروف والخير للآخرين، وما أحوج المجتمعات في كل زمان إلى هذه الخصلة، ليسود فيها التراحم، فيصون القوي الضعيف، ويجود الغني على الفقير، ويعين الكبير الصغير، ويكف الإنسان عن العدوان على بني جنسه، بل وعن الاعتداء على الحيوان والنبات والبيئة وكل ما حوله، فالرحمة حجاب يمنع الإنسان عن الإجرام والعدوان وعن الإحجام عن فعل الخير والإحسان، ولقد كان الشيخ زايد، رحمه الله، أيقونة تجسد لنا هذه الخصلة واقعاً عملياً، فكم أعان محتاجاً، وأغاث ملهوفاً، وأطعم جائعاً، وبنى مستشفيات ومدارس ومساكن ومدناً، وأسس مشاريع خيرية وإنسانية لا يزال عطاؤها متواصلاً إلى اليوم.

وإن ترسيخ خصلة الرحمة والتأكيد عليها لا ينبع فقط من جوهرها السامي وثمراتها على المجتمعات، بل وكذلك لتعزيز وجودها في الواقع الإنساني ضد الخطابات السلبية التي تهدد حضورها، كالأطروحات التي تغذي مبدأ القوة على حساب مبدأ الرحمة، وتصور التخلص من الضعفاء والمرضى فضيلة اجتماعية، وكالأطروحات التي تلغي النزعة الغيرية والإيثار والتكافل ومحبة الخير للآخرين ومساعدتهم، باسم الأخلاق العقلانية والموضوعية والتصورات التجريبية الوضعية، التي تغلو في مبدأ تحقيق السعادة الذاتية والمنفعة الفردية على حساب مبدأ الرحمة والبذل والإحسان.

ومن الدروس المهمة التي نستقيها من إنسانية زايد الخير كذلك التسامح مع الناس، واحترامهم، والتعامل معهم بالأخلاق الكريمة، وتغليب جانب العفو والصفح، والترفع عن الانتقام، وعدم مبادلة الإساءة بالإساءة، فالأخلاق المتسامحة مفاتيح القلوب المغلقة، والعلاقات الفاترة، والمشاعر النافرة، وهي كالماء تطفئ نيران الكراهية والطائفية والاحتقان والأحقاد، وتتأكد أهمية هذه الخصلة مع تنامي ظاهرة التطرف والإرهاب والطائفية والعنف، التي تغذيها التيارات الدينية المتطرفة.

ومن الدروس المشرقة التي تنضح بها إنسانية زايد الخير التواضع، فقد كان، رحمه الله، قدوة في ذلك، يعامل الجميع معاملة الأب لأبنائه، أبوابه مفتوحة لهم، وابتسامته تغمرهم جميعاً، لا يتفاخر على أحد، ولا يتطاول بشيء، وكان رحمه الله يقول: «إن بابنا مفتوح، وسيظل دائماً كذلك»، وقال طيب الله ثراه: «عندما منحنا الله الخير والثروة لم يعتورنا الغرور»، وقال رحمه الله: «اعتمدنا على أسلوب الهدوء في التخطيط وعلى المنهجية والعقل في التنفيذ دون التفاخر بما نفعل».

على هذه الخطى سارت قيادتنا الحكيمة، فهي مع علو قدرها قمة في التواضع للناس، والقول الجميل معهم، وكم أبهرنا قادتنا بتواضعهم الجم في شتى المواقف ومع مختلف الشرائح، كباراً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً، فازدادت القلوب تعلقاً بهم، ومحبة لهم، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم، القائل: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه»، وقال الشاعر قديماً: وجدتُ الرفق أبلغَ في السموِّ... ولم أر كالتواضعِ في العلوِّ.

ومن الدروس المهمة التي تزخر بها إنسانية زايد الخير استصحاب الحكمة والرفق والأناة في معالجة الأمور، فباللين يأتي ما لا يأتي بالشدة، ويأتي بالحكمة والعقل ما لا يأتي بالتهور والتسرع، وهي خصال لا تستغني عنها الأسر والأرحام والجيران والخلان، لتدوم المحبة والألفة بينهم ولا تفنى.

إن إنسانية زايد الخير، رحمه الله، روضة ناضرة، مليئة بالثمار اليانعة، وما قطفناه قليل من كثير، وقد حرص، رحمه الله، على ترسيخ هذه القيم قولاً وعملاً، إيماناً بأهميتها ولما لها من ثمرات على الأفراد والمجتمعات والدول، وهي بحقٍّ منجزاتٌ حضاريةٌ لا غنى عنها لنهضة الإنسان وبناء الأوطان.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات