في ذكرى رحيل زايد

يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، «في مئوية زايد» إن النجاح الذي حققته دولة الإمارات بفضل القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

وإن مئوية زايد تعادل ألف عام من العطاء والبناء والخير.. «ترسيخ دولة، وبناء إنسانها، ورفع عمرانها، هو جزء من ميراث زايد العظيم».

خمسة عشر عاماً انقضت على رحيل المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، والذي تصادف ذكراه غداً الموافق التاسع عشر من رمضان، ولا تزال الإمارات والدول العربية والعالم الإسلامي أجمع يتذكر الفقيد بشجن وفير! وهوما شاهدناه جميعاً بمناسبة الاحتفاء بمئويته في بلادنا والوطن العربي المحب لزايد الخير. والشعور نفسه أيضاً يتساوى لدى الطفل والشاب والرجل الكبير، ولدى الرجال والنساء، فزايد، رحمه الله، بنى الإنسان وعمَّر المكان، وترك في كل الإمارات بصمة لا تمحوها السنوات.. سيظل التاريخ شاهداً.

إن دولة الإمارات التي أسسها «زايد الخير» على المحبة والخير كانت وما زالت رمزاً للتسامح والمودة ومد يد العون والمساعدة لجيرانها ومحيطها العربي.

وكل من هو بحاجة لمساعدتها في شتى بقاع الأرض.. ولا يذكر مطلقاً أن الإمارات اعتدت أو اختلفت مع جيرانها لأي سبب يذكر، سيشهد التاريخ أن زايد، طيب الله ثراه، عمل بهدوء وصمت بعيدا عن ضجيج «عن القيل والقال وتسليط الأضواء»، وعمل على لمّ شمل الجميع. والفصل في حل النزاعات والاختلافات. ولولا تدخله فيها بحكمة وذكاء وفطنة حباه الله بها، لكادت أن تتفاقم الأمور وتؤدي إلى نتائج مهلكة لا تحمد عقباها.

كما سيشهد له التاريخ أنه كان أول من قام بإسداء النصح لصدام حسين بأن يتوقف عن عملياته العسكرية ضد إيران، بالرغم من أن بلاده في نزاع قائم معها حول الجزر الثلاث المحتلة «طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى».

وكان زايد، طيب الله ثراه، أول من أوضح له بصراحة وتفهم مطلق «خطورة غزوه لدولة الكويت الشقيقة». وهو أيضاً الوحيد بين الزعماء والقادة العرب الذي عرض عليه مبادرة للتنحي عن السلطة حفاظاً على العراق.

ولم يكتف الشيخ زايد ببناء دولة الإمارات، والنهوض بها لتكون وطناً يضاهي أكثر الدول تقدماً، بل استطاع كرجل دولة أن يتجاوز حدود الإمارات ليصبح داعية سلام عالمي. ففي أشد المحن برز الشيخ زايد كزعيم وداعية سلام يمتد نفوذه السياسي إلى كافة أصقاع الأرض، لذا ظل على مدار ثلاثة وثلاثين عاماً من الرئاسة، يؤدي أدواراً سياسية وإنسانية على الصعيد العالمي، فيتوسط لإيقاف الحروب، ويضغط على المجتمع الدولي للتصرف في منعطفات حاسمة من تاريخنا.

وعلى صعيد العمل الخيري تحول بفطرته إلى رجل إحسان على الصعيد العالمي، فكان عطاؤه على ضوء تعاليم الدين الإسلامي، بعيداً عن التباهي والتفاخر، ولم يكن العمل الخيري أو الجود الذي عرف به الشيخ زايد مقتصراً على الإمارات، وإنما امتد إلى خارج حدودها ليصبح أعظم محسن في العالم على الإطلاق.

وكان له دور كبير في مساعدة مئات ملايين البشر؛ كما انطلق زايد الخير من قناعة ثابتة بأن المرأة نصف المجتمع، وأن المجتمع لا يمكن أن يصعد سلم التطور دون المشاركة الفاعلة للمرأة.

وهكذا استطاع زايد أن يتخطى رواسب التفكير القبلي والعشائري. انطلق زايد من قناعة فكرية بأن مجتمع دولة الاتحاد لا يمكن أن ينهض ونصفه معطل، وكان، طيب الله ثراه، دائماً نصيراً أو عوناً للمرأة، هو ورفيقة دربه «أم الإمارات» سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله.

لقد انتهج القائد الراحل سياسة متوازنة ومنفتحة، حققت علاقات وصلات وثيقة مع الدول العربية ودول العالم الأخرى.. كالدعم لكثير من المشاريع التنموية في الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة الأخرى. وقام بزيارات دولية وعربية عدة.

وكانت هذه الزيارات مثمرة انعكست آثارها على تنمية دولة الإمارات وعلاقتها مع المنطقة العربية والشعوب الأخرى.

هذا القائد الذي سبق عصره جاء ليبشر بفكر نهضوي، انبثق من واقع مجتمع كان يعيش في براثن الفاقة، فاستطاع أن يتجاوز آراء من زعموا ألا أمل في تطوير مجتمع يفتقر إلى كل مستلزمات الحياة الضرورية، كالأرض الخصبة والماء العذب.

إلا أن الزعيم لم يستسلم! ومضى بعزيمة لا تلين ليرسم على صفحة الرمال خطة استراتيجية ابتدعها من قناعته بأن كل شيء ممكن متى ما توفرت الإرادة والإصرار على تخطي أي صعاب.

لم تسجل سطور ما كتب من سير إلا أعداداً يسيرة من الزعماء النابهين، الذين سجلت أسماؤهم في دفتر الزمن، ليكتب لها المجد والخلود، وكان الراحل العظيم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أحد هؤلاء. مضى الرجل وبقيت سيرته العطرة تنداح عبقاً يضمخ الأجواء.

ارتحل زايد الخير والعطاء في وقت كانت الأمة العربية بأسرها في أمسّ الحاجة إلى سياسته الحكيمة وفكره الناصح المشبع بقيم العدالة والعطاء والتسامح وحب الخير وروح التضامن والوحدة ولمّ الشمل. سيظل التاريخ شاهداً على إنجازات ومآثر المؤسس الباني «حكيم العرب زايد الخير» رحمة الله عليه..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات