محاصرة الإرهاب وصنّاعه

لم نكن في حاجة إلى مظاهرات لقوى دينية متطرفة، تجوب شوارع الخرطوم، وهي ترفع المصاحف وتحمل لافتات مضحكة، تسب قادة المجلس العسكري بزعم الدفاع عن الشريعة وإنقاذ الدين، لكي يتأكد لكل مراقب، أن من يعرقل التوصل لاتفاق بين القوى المدنية والمجلس العسكري في السودان هم هؤلاء الخارجون من جلباب حسن البنا وحسن الترابي، والحاضنون لأنصار القاعدة وداعش، والمتاجرون بالدين، بادعاء الحفاظ على هوية شعب لم يعرف عنه سوى التدين المتسامح بالفطرة.

ولم نكن في انتظار أن تصدر مجلة «جون أفريك» الفرنسية هذا الأسبوع بغلاف لرئيس أركان الجيش الجزائري مرفق بتعليق يقول: القايد صالح خطر على الحراك الشعبي الجزائري، لندرك مدى الدور الذي يلعبه قادة جبهة الإنقاذ وأعضاؤها ومناصروها من بعض قوى اليسار التروتسكي، في الدفع دعائياً نحو صدام بين قوى الحراك الشعبي، وقادة الجيش، بهتافات بعض المتظاهرين ضد المؤسسة العسكرية، والهجوم الشخصي على قايد صالح، والمطالبة بتنحيه مع بقية رموز نظام بوتفليقة.

والهدف من وراء ذلك هو منع التوصل لحل توافقي، وعرقلة دعوة الفريق صالح إلى إجراء الانتخابات الرئاسية لتفادي - كما قال - الوقوع في فخ الفراغ الدستوري، ولوضع حد لمن يحاولون إطالة أمد الأزمة!

تلك مشاهد ليست جديدة على الساحة العربية، بل تم تجريبها من قبل في 25 يناير 2011 في مصر، بافتعال معارك وهمية بين المجلس العسكري، والقوى المدنية، انتهت بتصدر جماعة الإخوان للمشهد السياسي، وصعودها، على أكتاف قوى مدنية ويسارية قصيرة النظر، إلى سدة الحكم!

كان المعلم يقول لنا ونحن تلاميذ على مقاعد الدرس، إن الفرق بين الإنسان والفأر، هو أن الأخير يتم اصطياده ملايين المرات بالطريقة نفسها ولا يتعظ، فيما الإنسان له ذاكرة وله تاريخ، يستطيع عبرهما أن يتعلم من انتصاراته ومصائبه. والأمل معقود على أن الشعبين السوداني والجزائري يمتلكان من الوعي والبصيرة، ما سوف يجنبهما الفخاخ المنصوبة لهما، للسير نحو الصدام، بديلاً عن حوار وطني يفضي إلى توافق سياسي!

ما ينعش تلك الآمال الأنباء السارة التي تحملها لنا الأخبار من الشرق والغرب، ففي أسبوع واحد أقر مجلس النواب الليبي قانوناً يجرّم جماعة الإخوان الليبية ويصنفها جماعة إرهابية، وبذلك ينضم إلى مصر وعدد من الدول الخليجية التي تدرج الجماعة كتنظيم يحفل تاريخه منذ نشأته، بدعم من سلطات الاحتلال البريطاني عام 1928، بسجل مخزٍ من الإرهاب.

وفي الأسبوع نفسه اتفق قادة نيوزيلاندا وفرنسا على اتخاذ إجراءات فاعلة للحد من استخدام الإنترنت للدعاية للإرهاب وتجنيد الإرهابيين، وتصنيع المتفجرات، وهي خطوة مهمة تحرم الإرهاب الجهادي الخارج من صلب الجماعة، من أداة فاعلة للترويج لأفكاره التكفيرية التخريبية الفاسدة، التي تحتضن ميراثاً ثقافياً متخلفاً يقوم على النقل، ويحتقر النقد والعقل، ويناصب المستقبل العداء. هذا فضلاً عن الإعلان الأول من نوعه للرئيس الفرنسي ماكرون الذي قال فيه إن الإسلام السياسي بات يمثل تهديداً للجمهورية الفرنسية، ويسعى للانعزال عنها.

وطبقاً لما نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فإن إدارة الرئيس ترامب تدرس إدراج جماعة الإخوان ضمن القائمة الأمريكية الخاصة بالجماعات الإرهابية الأجنبية، ومن شأن صدور قرار بذلك، أن يحظر على البنوك إجراء معاملات مالية للجماعة، ويمنع الأمريكيين من تمويلها، بما يعد ضربة قاصمة لأنشطتها في الخارج. كما يمكن أن يمهد الطريق لعدد من الدول الأوروبية الحليفة لواشنطن، على رأسها بريطانيا، أن تتخذ خطوة مماثلة.

تعددت أزمات دول المنطقة، من سلطة إخوانية في غزة إلى اليمن ومن ليبيا إلى سوريا، من لبنان إلى العراق، وتشابهت، في أن المشترك في اندلاعها هو هذا الخلط بين الدين والسياسة لأهداف سلطوية تتسم بالشره والتدليس، وتزوير التاريخ، كرسته جماعة الإخوان طوال تاريخها، ولعل القمم الخليجية والعربية التي تدعو إليها السعودية في مكة المكرمة، نهاية الشهر الجاري، أن تأخذ بعين الاعتبار أن جزءاً من الأزمة الراهنة غير بعيد عن سقوط نظام عقائدي متطرف في الخرطوم، وعن نجاح الجيش الوطني الليبي في فرض سيطرته على أجزاء من العاصمة كانت موطناً للإرهابيين، وعن الدعم الدولي الذي بات يحظى به الجيش الليبي في مواجهة الحكومة الإخوانية، وعن الحروب بالوكالة التي تقوم بها جماعة الإخوان لدعم النفوذ الإيراني في المنطقة، بما يجعل صدور قرار جماعي عربي من تلك القمم بتصنيف جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً، حافزاً للإدارة الأمريكية لسرعة إصدار قرارها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات