الأحزاب بين تمديد الفكر وتمكين الرموز

يزخر العالم بثقافات وأيديولوجيات تغذي فكرة تمزيق المجتمعات إلى أحزاب، وصرف الولاء لكل حزب، والاتباع الأعمى لأيديولوجياته، وجعل الحزب فوق الوطن، وتزداد الخطورة إذا كانت هذه الأحزاب تحمل أيديولوجيات راديكالية عابرة للحدود تهدف إلى اجتثاث الواقع وفرض رؤاها ولو بالإقصاء والعنف والإرهاب والثورة، سواء كانت أحزاباً ذات طابع ديني أو علماني.

وإن الناظر في التاريخ الحديث يجد بوضوح كيف عانى العالم من الأحزاب والتنظيمات المتطرفة في الشرق والغرب، فقد سطر التاريخ في أحلك الصفحات المظلمة ما فعله الحزب النازي في ألمانيا، والحزب الفاشي في إيطاليا، والحزب الشيوعي في روسيا، والتي مارست كلها أعتى أنواع الديكتاتوريات، وأشعلت الحروب العالمية التي لم تشهد البشرية مثيلاً لها عبر التاريخ، وكذلك ما فعلته بعض الأحزاب في الوطن العربي والشرق عموما، وما تفعله التنظيمات المتطرفة من قاعدة وداعش وإخوان وحوثيين وحزب الله وغيرهم من إرهاب وتقتيل وتدمير.

وهو ما يؤكد خطورة هذه الأحزاب والتنظيمات التي تتكتل حول أيديلوجياتها ومصالحها، وتسعى للتمدد الفكري في المجتمعات، وتعمل على تكوين كتل بشرية مؤيدة لها، سواء من فئة النخب المثقفة أو عموم الجماهير، وتركز بالأخص على فئة الشباب والشابات، محاولةً استقطابهم عبر خطابات دينية أو خطابات ثقافية وفكرية وسياسية، متبعة أسلوب دسِّ السم في العسل، وتوظيف المصطلحات الرائجة كأدوات تجميل لخطاباتها، واستخدام الشعارات الرنانة كواجهة لأجنداتها خاصة، كما تسعى هذه الأحزاب إلى تمكين رموزها، وتلميع صورهم، والترويج لكتاباتهم، وإظهارهم كرواد دين وفكر وثقافة، وما إن يرتبط الشباب بهذا الرمز أو ذاك حتى يقع في شراك هذه الأحزاب، مؤيداً لها ولتوجهاتها.

وإن الفكرة الحزبية متعددة المساوئ والمخاطر، لأنها تحول الأفكار الشخصية إلى كتل بشرية متصارعة، وتضيف إلى سلبية الأيديولوجيا تغذيتها بكوادر بشرية منظمة تخدمها قيادياً وإدارياً ومالياً، فيزداد خطرها أضعافاً مضاعفة، وإن المتأمل في العالم اليوم يجد أنها تموج بتفاعلات فكرية وأيديولوجية ستزيد الفكرة الحزبية من مخاطرها وسلبياتها.

فالناظر على سبيل المثال في المجتمعات الغربية يرى بوادر تغييرات فكرية كبرى ربما تنتظر الأجيال القادمة، بعد أن أوصلت مشاريع التنوير والحداثة أوروبا إلى الحروب العالمية في النصف الأول من القرن الماضي، ثم إلى المنظومات العدمية المفرطة في النزعة الفردية والمادية، وعلى أنقاض العدمية ظهرت المدارس النقدية التي يحاول بعضها إحياء النزعة الماركسية في أوروبا، وبرزت التيارات اليمينية المتطرفة، وتنامت النزعة الشعبوية والقومية.

كما أكد التاريخ وتجارب الماضي أن العنف وسيلة يستطيع أي حزب أن يبررها لنفسه بطريقته، فالليبرالي يشرعنه تحت شعار: لا حرية لأعداء الحرية، وكانت الثورة الفرنسية التي أفرزتها حركة التنوير الأوروبية تمارس الإرهاب، وترفع شعار: اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر رجل دين! والماركسي يشرعن العنف تحت شعار الثورات الاشتراكية وصراع الطبقات الاجتماعية، ومن يبحث عن ذرائع العنف في العلوم الطبيعية والاجتماعية يتذرع بالداروينية ومبدأ البقاء للأقوى والنظريات العنصرية والفلسفات المادية، ناهيك عن المبررات الدينية والطائفية التي تغذيها الأحزاب المتطرفة ذات الطابع الديني والطائفي.

ومن هنا يتجلى خطر تكتُّل هذه الثقافات والأيديولوجيات في أحزاب، وما يترتب على خوضها معارك سياسية والتصارع على السلطة من نتائج لا تخدم المجتمعات، بل تكون وبالاً عليها، فكل حزب يسعى لفرض أجنداته، وتمديد فكره، وتمكين رموزه، والعمل وفق أيديولوجياته، ليسقط المجتمع في دوامة الاستقطاب الحاد، وينقسم على نفسه بين موال لهذا الحزب وذاك، وتطحن رحى الجدل والتصارع مشاريع التنمية والازدهار وقيم التواصل الإيجابي.

ومن مساوئ الفكرة الحزبية كذلك أنها تهدد مبدأ التسامح وقبول الآخر واحترامه والتعددية الآمنة، لأنها تنقل الاختلافات من دائرة الأفكار والآراء الفردية إلى دائرة التكتلات الجماعية، وتجعل كل كتلة تخوض صراعاً للهيمنة والسيطرة، ولو بإقصاء الآخر وتدميره، وتغذي روح التعصب والانغلاق على الأحزاب، كما أنها تمزق النسيج المجتمعي، وترسخ الانقسامات الأيديولوجية والسياسية داخل المجتمع الواحد، وقد نشأت جذور الأحزاب السياسية في الغرب نفسه كما يقول علماء السياسة في تُربة فكرية غير مضيافة لها، وكانت نظريات الحكم الحديثة حتى وقت قريب تنظر إلى تكوين الأحزاب السياسية بعين الشك والريبة، ولا تزال بعض النظريات السياسية تتمسك بمبدأ رفض التكتلات الحزبية، وقد حذَّر من ذلك قديماً وحديثاً العديد من رجال الفكر والسياسة.

فقد هاجم جان جاك روسو أحد رواد حركة التنوير الأوروبية فكرة الأحزاب السياسية، معتبراً أن أي مجتمع توجد فيه أحزاب سياسية لا يمكن أن تظهر فيه الإرادة العامة على حقيقتها، كما حذر جورج واشنطن أول رئيس أمريكي في آخر خطاب له من الروح الحزبية التي تعمل على تناحر الفئات في المجتمع.

وأخيراً فإن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى إرساء منظومات حضارية، تحافظ على السلم المجتمعي، وتدعم قيم المواطنة الصالحة والتعايش المشترك واحترام الآخر، وتحقق السلام والاستقرار للجميع.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات