جيل الألفية وإحداث التغيير بالمشهد الاستثماري العالمي

يشهد العالم في الآونة الأخيرة تحولات كبيرة نحو ممارسة الأنشطة الاستثمارية المسؤولة اجتماعياً وأخلاقياً عبر جميع المجالات.

ومع تنامي وعي جيل الألفية وتوجهاتهم نحو اعتماد خيارات استثمارية أخلاقية ومستدامة، لا يظهر هذا التحول أي علامات للتباطؤ أو التراجع.

ونتيجة هذه التطورات، تعمل المؤسسات المالية ومنصات الاستثمار على تلبية متطلبات هذه الشريحة من السكان، حيث لم تعد إدارة المحافظ الاستثمارية التقليدية وحدها كافية في ظل ما يشهده العالم الاستثماري من تحولات وتغيرات بوتيرة متسارعة.

ووفقاً لتحليل أجراه مؤخراً بنك «مورجان ستانلي»، فإن ما يصل إلى 85% من جيل الألفية يبحثون عن مساحات استثمارية أكثر أخلاقية، مقارنة بـ 75٪ من عموم السكان. إضافة إلى أنهم أكثر توجهاً نحو الاستثمار في الشركات التي تمتلك أهدافاً اجتماعية أو بيئية. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن أن يحافظ الاستثمار المستدام والأخلاقي على استدامته واستمراريته؟.

تشكل الركائز الرئيسية الثلاث (البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة) والتي يقوم عليها مفهوم الاستدامة، وتؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في أي نشاط استثماري، عاملاً حاسماً في قرارات الاستثمار الأخلاقية.

والأهم من ذلك، أن رغبة جيل الألفية في زيادة ثرواتهم بطريقة سليمة أخلاقياً تفوق رغبتهم نحو استثمار الأموال في الشركات التي تنتج سلعاً أخرى مثل الكحول أو التبغ أو الأسلحة أو الذخيرة، ذلك لأن هذه المجموعة المتنامية من المستثمرين الشباب تحركها مشاعر مشتركة بأن الاستثمار الحذر والمسؤول أخلاقياً يمكن أن يحدث تأثيراً إيجابياً وتغييراً حقيقياً في عالم اليوم.

وتشير نتائج الدراسة التي أجرتها شركة «ديلويت» إلى أن 76٪ من جيل الألفية يعتقدون أن الأعمال يمكن أن تكون قوة إيجابية للصالح الاجتماعي والعام، وعلى أي حال، تشير هذه النتائج أيضاً إلى أن 59٪ فقط من الشركات متعددة الجنسيات تتخذ خطوات ملموسة لمعالجة هذه المخاوف لدى جيل الألفية.

وباعتبارها مجموعة فرعية ناشئة من المشهد العام للاستثمار، تزداد شعبية ما يعرف بالاستثمار الأخلاقي، حيث يسعى المستثمرون الأصغر سناً للحصول على فرص استثمارية مستدامة تكون مسؤولة اجتماعياً ومتاحة بشكل سلس، بما يتماشى مع قيمهم وأهدافهم نحو جعل العالم مكاناً أفضل للعيش.

وقد أصبح الاستثمار الأخلاقي مجالاً جاذباً للمجموعات الأصغر سناً من المستثمرين، كونه يوفر لهم مكاناً آمناً ومثالياً لاستثمار الأموال التي اكتسبوها بجدهم وعملهم الدؤوب. ويسلط تقرير جديد لمؤسسة «إيرنست آند يونغ» الضوء على هذه المسألة، حيث يشير إلى أن جيل الألفية «يحققون تكاملاً أكبر بين أموالهم وقيمهم» من خلال ممارسات استثمارية مسؤولة اجتماعياً وأخلاقياً.

عامل آخر لا يقل أهمية ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا التحول الناشئ في السلوكيات الأخلاقية هو الفجوة الكبيرة بين الأجيال، لاسيما بين جيل الشباب والأجيال الأكبر سناً. وفي عالم بات يقدم لنا مزيداً من الخيارات أكثر من أي وقت مضى، فإن هذه المشاعر تترجم شيئاً فشيئاً إلى ممارسات استثمارية، ونتيجة الرغبة باتخاذ قرارات استباقية للاستثمار، تصبح الحاجة نحو تحقيق تأثير اجتماعي حقيقي وملموس أكثر ما يميز جيل الألفية عن الأجيال الأكبر سناً.

ويُعد جيل الشباب أقل استعداداً للتخلي عن قيمهم وأخلاقياتهم ومسؤولياتهم المجتمعية بهدف تنمية ثرواتهم مقارنةً بجيل طفرة المواليد (الذين ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية بين عامي 1946 و1964) أو الجيل العاشر أو الجيل X (الفئات التي ولدت ما بين أوائل الستينات إلى أوائل الثمانينات).

وفي حين تتطلب مؤشرات الأداء ومعايير الاستثمار الأخلاقي مزيداً من الوضوح حول المدة أو حالة الاستمرارية، إلا أن هناك التزاماً واضحاً بتبني الأنشطة الاستثمارية المستدامة، وذلك على الرغم من المسائل المرتبطة بالمفاضلات المالية خاصةً فيما يتعلق بدوافع الاستدامة.

وبحسب تحليل «دويتشه بنك»، لا يشكل مفهوم الأدب الاستثماري إلى جانب الأدلة التجريبية المتعلقة بالبيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة والاستثمار الأخلاقي عبئاً على أداء المحافظ الاستثمارية. ومن حيث المضمون، هناك هدف أسمى وأكثر أخلاقية وراء التزام جيل الألفية بتحقيق قيمة وتأثير اجتماعية لحساب العوائد المالية الكبيرة. ومن هنا، يمكننا القول إن هناك سبباً واضحاً يدعونا للتنبؤ بأن الممارسات الاستثمارية المسؤولة اجتماعياً ستصبح أكثر شيوعاً في المشهد الاستثماري المستقبلي.

وتسعى منصات الاستثمار الأخلاقية من خلال نشرها حلولاً تعكس هذا التغيير في الحاجة، إلى دمج توجهات ورغبات الاستثمار الأخلاقي في ملف تعريف المستثمر لتثقيفه بشكل أكبر حول كيفية التعامل مع الأصول وإدارتها. وطالما استمر المستثمرون الشباب في التعبير عن أفكارهم الهادفة إلى تحقيق الصالح الاجتماعي، ستبقى خيارات الاستثمار الأخلاقية بدائل مستدامة تماماً للمجالات التقليدية الخاصة بمشهد إدارة الثروات.

* المؤسس والمدير التنفيذي لشركة واحد للاستثمار

طباعة Email
تعليقات

تعليقات