في ذكرى النكبة

لقد سبق إعلان «المجلس اليهودي الصهيوني» في فلسطين، لدولة «إسرائيل» في 14/5/1948، أي قبل 71 عاماً، ومطالبته لدول العالم الاعتراف بالدولة الإسرائيلية الوليدة، عشيّة انتهاء الانتداب البريطاني، سبق ذلك، عشرات السنين من التهيئة اليهودية الصهيونية لهذا اليوم، الذي أسماه العرب والفلسطينيون بيوم النكبة.

وكان خلف هذا الإعلان منظّمة صهيونية عالمية، تعمل منذ تأسيسها في عام 1897، على كلّ الجبهات، وهي التي حصلت من بريطانيا على «وعد بلفور» الشهير، ونظّمت هجرة يهودية كبيرة للأراضي الفلسطينية، على مدار أكثر من ثلاثة عقود، مروراً بحربين عالميتين، استثمرت الحركة الصهيونية نتائجهما لصالح «خطّة إقامة دولة إسرائيل»، كما ربطت مصالحها الخاصة بمصالح دول كبرى، بسطت سيطرتها على المنطقة العربية، بعد انهيار الدولة العثمانية.

هناك متغيّرات كثيرة حدثت في العقود السبعة الماضية، دولياً وعربياً وفلسطينياً، لكن العودة الآن إلى تفاصيل ما حدث في القرن الماضي، مردّه ما قامت به واشنطن من تبَنٍّ كامل لأجندة إسرائيلية، ترفض وجود دولة فلسطينية مستقلّة، وتقضم الأراضي المحتلّة في القدس والضفة الغربية وهضبة الجولان، من خلال تعزيز الاستيطان اليهودي فيها وضمّها لإسرائيل، مع إسقاطٍ كامل لحقّ العودة، من أجل تصفية نهائية للقضية الفلسطينية.

إسرائيل اعتمدت وتعتمد فقط على منطق «حقّ القوة»، مقابل اعتماد رسمي فلسطيني وعربي على منطق «قوّة الحق».. وفقط عبر مبادرات سياسية ومفاوضات واتّصالات ومراهنات على قوى كبرى ومؤسّسات دولية، بينما المنطق العملي الذي يؤكّده التاريخ يقول: «إنَّ الحقّ بغير قوّة، هو حقٌّ ضائع»، وأنَّ «الجنوح للسلام»، يعني أصلاً أنَّ «الحقّ» هو كالطير له جناحان: جناح العمل للسلام، وجناح الاستعداد لاستخدام القوّة، والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، استفادت وتستفيد من الظروف الدولية والعربية والفلسطينية على مدار عقودٍ من الزمن، إلى أقصى الحدود الممكنة، وهي تفرض شروطها ومطالبها على العالم ككل.

ما تحتاجه الآن القضية الفلسطينية، هو أكثر ممّا جرى من ردود فعلٍ شعبية وسياسية على قرار ترامب بشأن القدس، وأيضاً أكثر من الحراك البطولي الشعبي الفلسطيني، فهي تحتاج إلى انتفاضة شعبية فلسطينية شاملة، تضع حدّاً لما حصل في ربع القرن الماضي من تحريفٍ لمسار النضال الفلسطيني، ومن تقزيمٍ لهذه القضية التي كانت رمزاً لصراع عربي/صهيوني على مدار قرنٍ من الزمن.

وكما كان من الخطأ الكبير، تصغير حجم القضية الفلسطينية في مجال العمل السياسي والمفاوضات، سيكون كذلك من الخطأ الآن، تحجيم ردود الفعل الفلسطينية، وكأنّها ضدّ مشروع «صفقة القرن» فقط. فالمطلوب فعلاً، هو وحدة القيادة الفلسطينية، ووحدة برنامج العمل على مستوى كلّ المنظّمات الفلسطينية الفاعلة داخل الأراضي المحتلّة وخارجها، ففي ذلك يمكن أن يتكامل أسلوب العمل السياسي ومسار التفاوض.

إنّ مشكلة الانقسام الفلسطيني، ازدادت حدّةً، بعد توقيع اتّفاقيات «أوسلو»، والتي ثبت، بعد 25 عاماً، عجزها عن تأمين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وتستفيد إسرائيل طبعاً من تداعيات الحروب الأهلية العربية، ومن الموقف الأمريكي الذي يسهم الآن في دعم أجندة نتنياهو وسياسته في التعامل مع الملفّ الفلسطيني.

فالتصريحات التي تصدر عن «البيت الأبيض» وأعضاء في الكونغرس بشأن القضية الفلسطينية، كلّها تكرّر ما يقول به نتنياهو، من تشويه لحقائق الصراع العربي والفلسطيني مع إسرائيل. فتعبير «الاحتلال الإسرائيلي»، أصبح مغيَّباً عن المواقف الرسمية الأمريكية، ومهمَّشاً كثيراً في الإعلام الأمريكي، كذلك هي مسألة الاستيطان في الأراضي المحتلة.

لكن المصيبة ليست في الموقف الأمريكي فقط أو في بعض المواقف الدولية الأخرى، وحدة القيادة الفلسطينية هي العنصر الأهمّ المفقود حالياً، ذلك هو الواقع الآن.

ربّما هي فرصةٌ هامّة الآن لإعادة الحيوية للقضية الفلسطينية، التي جرى تهميشها في السنوات الماضية، وبالتالي، تصحيح «البوصلة» العربية، بعد ما تسبّبت ظروف كثيرة بفقدان معيار معرفة الصديق من العدوّ!

ما حدث في فلسطين في منتصف القرن الماضي كان «نكبة كبرى» للشعب الفلسطيني وللأمّة العربية، لكن كان أيضاً سبباً لإشعال ثورات تحرّر وطني، ولانطلاق حركات المقاومة الفلسطينية. وهذا درسٌ مهّمٌ الآن للجميع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات