«كبار المواطنين... فخرنا وقدوتنا»

(السّتّون).. لحظة فارقة في عمر الإنسان، فهي اللحظة التي يطلق عليها (سنّ التقاعد) في معظم دول العالم، ومع بلوغها تتغير حياة الإنسان بأكملها، مهنياً واجتماعياً وصحياً، ويتغير تفكيره لينسجم مع دخوله مرحلة جديدة من عمره تصل فيها خياراته العملية وتزيد فيها تحديات الحياتية، لكن هذا لا ينطبق على شعب الإمارات، لأنّ قيادتنا الرشيدة كرّمت فئة كبار السنّ بأن أطلقت عليهم اسم (كبار المواطنين) للدلالة على مكانتهم وحجم عطائهم على مرّ السنوات التي خدموا فيها الوطن.

فهم كما قال عنهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»: «كبار المواطنين، هم كبار في الخبرة وكبار في العطاء، ولا يمكن تحقيق التماسك الأسري والتلاحم المجتمعي، إلا بضمان الحياة الكريمة لهم».

لذلك واستجابة لتوجيهات سموّه تقوم الجهات المعنية من وزارات ومجلس اتحادي ومؤسسات اجتماعية بتقديم جهود رائدة في سبيل ضمان حقوق كبار المواطنين في الاستقلالية والمشاركة، والحماية من العنف والإساءة أو الإهمال، والرعاية الصحية والحق في التصرف في الممتلكات الشخصية لهم، إضافة إلى العديد من الحقوق الأخرى التي سيتمّ إقرارها على شكل قوانين لتكون نافذة وشرعية وضامنة لحقوق هذه الفئة.

قد تكون وزارة تنمية المجتمع هي الجهة المعنية بشكل مباشر بشؤون كبار المواطنين في دولة الإمارات العربية المتحدة، لكنّها ليست الوحيدة، بل هي جزء من منظومة إدارية وحكومية تتكامل أدوارها في مختلف إمارات الدولة لكي تساهم في ترسيخ القيم الإنسانية والاجتماعية والقانونية المرتبطة بكبار المواطنين، لتمكينهم من المشاركة الفاعلة في المجتمع، والمساهمة في تخطيط السياسات المتعلقة بهم، وتوفير الرعاية الصحية والدعم والاستقرار النفسي والاجتماعي لهم، وتقديم مختلف أنواع المساعدة والتسهيلات ؛ كلّ حسب احتياجاته ومتطلباته لنيل حياة كريمة وسعيدة.

فكبار المواطنين هم الفئة التي تمتلك خبرات متراكمة وحكمة كبيرة في مختلف أمور الحياة، استطاعوا تطويرها وترسيخها بفضل سنوات من العمل والجهد وخدمة الوطن.. إنهم طاقة معرفية مهمة لا بدّ من استثمارها بالشكل الأمثل، فعند الستين لا تتوقف الحياة وإنما تبدأ مراحل جديدة أكثر أهمية وعطاء وإنجازاً في حياة الإنسان، ويمكن للعطاء أن يأخذ أشكالاً أخرى، في مواقع متنوعة من العمل الاستشاري أو التدريبي أو الاجتماعي، حيث يمكن لصاحب الخبرة أن يقدّم معرفته للجيل الجديد، وأن يضع بين أيدي الشباب خلاصة سنوات من المعرفة لكي يسيروا في ركب التطوير بثقة عالية بالنجاح، ويمكن أن تستثمر الجهات الحكومية طاقات وخبرات كبار المواطنين عبر مجالس استشارية يعيّنون فيها لتقديم النصح والمشورة وإبداء الرأي في المجالات التي عملوا فيها سابقاً.

والأمثلة على قوّة العطاء بعد سنّ الستين كثيرة، وأبرزها ما قام به القائد الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا بعد انتهاء مهامه الرئاسية، حيث استمرّ في العمل كناشِط في المجالات الاجتماعية والصحية، ومُكافِحٍ في سبيل حماية أبناء جنوب أفريقيا من الأمراض الوبائية، إضافة إلى مشاركته كمحاضِر في المؤتمرات والمحافل الدولية.

مانديلا قدوة ومَثَل أعلى لملايين البشر، وأنا أدعو كبار المواطنين في دولتنا الحبيبة لأخذ العِبَر من قصّته، والاقتداء بالمواطنين الإماراتيين الذين استمروا بعطائهم بعد سنّ الستين، وهم اليوم مديرو مؤسسات كبرى وكتّاب ومبدعون ومحاضرون وأساتذة جامعيون... كما أدعوهم للاستفادة من مكرمات القيادة الرشيدة في أخذ مواقعهم التي تليق بهم، فنحن - ولله الحمد - نحظى بقادة لا يتوقفون عن تقديم المكرمات وإظهار الاهتمام والرعاية لكلّ فرد في المجتمع.

وأقترح في هذا السياق أن يتمّ تكريم كبار المواطنين عبر برنامج مدروس وجائزة مبنية على معايير محدّدة، كجزء من العرفان والشكر لجهودهم وإنجازاتهم وعطاءاتهم.

كلّ مرحلة من الحياة لها جمالها ولها ميزاتها، وليس كما يعتقد البعض بأنّ (الشيخوخة) هي مرحلة تدهور في حياة الإنسان، لأنّها مرحلة النضج الحقيقي، وبلوغ الحكمة ورجاحة العقل واتخاذ القرارات الصحيحة، حتّى إنها مرحلة مناسبة جداً لتنفيذ الخطط الشخصية التي وقف الوقت ومشاغل العمل عائقاً دون تنفيذها، كالقيام بالسياحة مثلاً، أو التفرّغ لعمل إبداعي يتناسب مع موهبة معينة، أو حتّى قضاء وقت ممتع مع الأبناء والأحفاد، وهي أمور قد يصعب التفرّغ لها في مراحل العمر الأخرى.

اسم (كبار المواطنين) بحدّ ذاته تكريم من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ودلالة على كبر عطاء هؤلاء المواطنين وكبر الاحترام والتقدير والشكر لهم، فهم كما وصفهم سموّه: «فخرنا وقدوتنا».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات