تعافي ليبيا بداية نهاية الأزمات

في الوقت الذي يستعد فيه المسلمون لاستقبال الشهر الكريم، نجد أن هناك مناطق كثيرة في عالمنا العربي والإسلامي، تعاني القلاقل، والتوترات، والاضطرابات، ويحبس فيها المواطنون أنفاسهم، ليس انتظاراً لمدفع الإفطار، وإنما خشية الهلاك في أي لحظة، وما بين أصوات المدافع، وانفجارات القنابل، وأزيز الطائرات والصواريخ، يعيش هؤلاء أقسى لحظات حياتهم، ولا يرون ضوءاً في نهاية النفق للخروج من هذا الواقع الأليم، والصراع المرير، بعد أن اختلط الحق بالباطل، واشتعلت الفتن والمؤامرات من الداخل أحياناً، ومن الخارج أحياناً أخرى.

يحدث هذا في فلسطين، وليبيا، وسوريا، واليمن، ونتمنى السلامة للسودان والجزائر الشقيقتين، واجتياز ما يمران به من مرحلة صعبة، وكل الثقة في قدرة الشعبين الشقيقين على تخطي أزماتهما والوصول إلى بر الأمان.

ربما تكون ليبيا أكثر الدول المرشحة للخروج من مأزقها الصعب، إذا نجح الجيش الليبي في بسط سيطرته على طرابلس، لتتوحد قوات الجيش والأمن، تحت مظلة واحدة، بعيداً عن بارونات الحرب، والجماعات المسلحة، وبقايا الإرهابيين الفارين من الدول الأخرى، إلا أن المشكلة لا تزال معقدة، بسبب ألاعيب بعض الدول التي تريد استمرار الأزمة الليبية كما هي دون حل، خاصة تركيا وقطر، اللتين تدعمان بقوة جماعات طرابلس المسلحة، لخلق واقع مأساوي جديد، قائم على تقسيم ليبيا، على غرار «حماس» في غزة، و«فتح» في الضفة.

منذ نحو 8 سنوات، انزلقت ليبيا إلى مستنقع الفوضى والانفلات، وسيطرة الجماعات المسلحة والميليشيات، لتتحول ليبيا إلى أشلاء دولة، ومأوى للإرهابيين من كل دول العالم، بعد فقدانها السيطرة على حدودها، ونزوح عدد كبير من مواطنيها، ولجوء أعداد كبيرة من الجماعات الإرهابية والمسلحة إليها، بعد هزيمتهم في سوريا والعراق.

الجيش في ليبيا هو المؤسسة الوحيدة التي يتوافق عليها الليبيون لإعادة الأمن والاستقرار إلي ليبيا، ومن هنا، جاء دعم الليبيين للجيش الليبي، منذ أن بدأ عملية الكرامة في عام 2014، حتي أصبح الآن يسيطر علي ما يقرب من 75 % من الأراضي الليبية، ويبقي نجاح مهمته في طرابلس، التي إذا نجح فيها، سوف تتغير الخريطة على الأرض تماماً، لتبدأ ليبيا رحلة التعافي والخروج من الأزمة إلى خريطة طريق جديدة، تكون قادرة على لم شمل الشعب الليبي، وإعادة إطلاق عملية سياسية متكاملة، ليصبح الشعب الليبي من خلالها قادراً على وضع دستوره الجديد، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، واختيار ممثليه بكل حرية.

نجاح جهود توحيد ليبيا، يرتطم بتدخل بعض الأطراف الدولية، لإبقاء الوضع المأساوي الحالي على ما هو عليه، وربما تكون ثروة ليبيا النفطية، أحد الأسباب المهمة للصراع الداخلي والخارجي الدائر الآن هناك، حيث يبلغ العائد السنوي لثروة ليبيا النفطية، ما يقرب من 15 مليار دولار، بمتوسط 90 ألف دولار للفرد سنوياً تقريباً، ما جعل الصراع في ليبيا يتحول إلى صراع على الثروة، بعد انهيار سلطة الدولة، وتزايد دور الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية.

الوضع العربي أصبح أكثر وضوحاً، في ظل تطابق الرؤى المصرية والإماراتية والسعودية تجاه الأزمة، واتفاقهم على ضرورة توحيد المؤسسات الأمنية تحت راية الجيش الليبي، ودعم التوصل إلى رؤية سياسية للأزمة هناك، بعيداً عن جماعات العنف المسلحة، والمليشيات، والجماعات الإرهابية التي تريد أن يكون لها دور في هذا المسار، وهو الأمر المرفوض شكلاً ومضموناً من معظم دول العالم، باستثناء تركيا وقطر، بما لهما من علاقات ووشائج مع تلك الجماعات والميليشيات.

المسافة باتت قصيرة أمام توحيد ليبيا، في حال نجاح دخول القوات الليبية طرابلس، ونتمنى أن ينجح رئيس حكومة الوفاق، فائز السراج، في التخلص من ضغوط الميليشيات والجماعات المسلحة، والدخول في تفاوض مباشر مع قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، حقناً لدماء الأبرياء في شهر رمضان المعظم، وتمهيداً للعودة إلي العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.

نجاح توحيد ليبيا، وعودة مؤسسات الدولة مرة أخرى للعمل بكفاءة، يعني سيطرة الدولة الليبية على حدودها، وطرد جميع الميليشيات المسلحة من أراضيها، بما يضمن عودة الاستقرار إلى تلك المنطقة الحيوية من العالم، وضمان السيطرة على الهجرة غير الشرعية إلى دول أوروبا، وتأمين الحدود الليبية مع مصر والسودان والجزائر وتونس.

على الجانب الآخر، فإن عودة ليبيا القوية والموحدة، سوف يكون بداية النهاية للعديد من أزمات المنطقة، ويسهم في إعطاء دفعة معنوية هائلة، لحل أزمتي اليمن وسوريا.

* رئيس مجلس إدارة الأهرام

طباعة Email
تعليقات

تعليقات