تحالف «الإخوان» وقوائم الإرهاب!!

عندما نتذكر المشهد قبل بضع سنوات، وكيف كانت السفيرة الأمريكية في القاهرة لا تتوقف عن الزيارات شبه اليومية للمقر الرئيسي لجماعة الإخوان في ضاحية «المقطم»، لمقابلة مرشد الجماعة التي كانت في هذا الوقت تحكم مصر بدعم أمريكي كامل.. ندرك وقع الصدمة لدى الجماعة من الإعلان الأخير من جانب البيت الأبيض حول قرار مرتقب بإدراج «الإخوان» في قائمة الجماعات الإرهابية!

وعندما نتذكر كيف كانت السفيرة الأمريكية شبه مقيمة في مكتب الرجل القوي في الجماعة «خيرت الشاطر» تدير معه الأزمة التي انتهت بإطاحة شعب مصر بحكم «الإخوان» في 30 يونيو.. نعرف أن مجرد الإعلان عن توجه أمريكا نحو إدراج «الإخوان» كجماعة إرهابية يمثل انقلاباً كاملاً في سياسة أمريكا و(دول الغرب) التي أرادت ذات يوم أن تضع العالم العربي كله في قبضة مرشد هذه الجماعة التي بدأت الإرهاب مع تأسيسها منذ تسعين عاماً!!

لم تكن العلاقة بين واشنطن و«الإخوان» وليدة السنوات الأخيرة فقط، العلاقة قديمة ويقترب عمرها من سبعين عاماً، وإن كان الجانب الأكبر منها في يد الأجهزة المخابراتية قبل أن يطفو الجانب السياسي على السطح، مع دور جديد للجماعة في المخطط الأمريكي للمنطقة.

بعد الحرب العالمية الثانية، ومع سعي أمريكا لترث النفوذ البريطاني والفرنسي في المنطقة، كان طبيعياً أن تحاول أيضا وراثة أدوات هذا النفوذ وأهم حلفائه. وفي الوقت الذي كانت مصر بعد ثورة يوليو 52 تضغط من أجل تحقيق الاستقلال، كان «الإخوان» يصطدمون بالثورة، ويعملون لتعطيل جلاء البريطانيين، وفي نفس الوقت يقدمون أنفسهم للقوة العالمية البازغة، ويتواصلون سراً مع رجال المخابرات الأمريكية في سفارة القاهرة، ويوافقون على كل ما كانت ثورة يوليو ترفضه في سعيها للاستقلال الكامل.

الصدام مع ثورة يوليو ومحاولة اغتيال عبد الناصر أوقف فاعلية الجماعة لسنوات، وأوقف معها أي مشروعات للتعاون بين الجماعة وأمريكا، لتعود في السبعينيات من القرن الماضي وتتوالى فصولها، تصبح الجماعة طرفاً في تجنيد الشباب للحرب في أفغانستان لمصلحة أمريكا، وجزءاً من صراع أمريكا ضد الاتحاد السوفيتي، ثم جزءاً من مشروعات أمريكا لإعادة رسم خريطة المنطقة، إلى أن وصلنا مع بداية القرن الحالي إلى مخطط الفوضى «الخلاقة!!» والرهان الأمريكي على «الجماعة» لتكون اللاعب الرئيسي في محاولة «تمكين» ما أسموه «الإسلام السياسي» من حكم المنطقة العربية لحساب واشنطن وحلفائها!!

تغاضت واشنطن ـ في هذا السعي ـ عن تاريخ طويل للجماعة في الإرهاب، وتغاضت عن حقيقة أنها أصل كل الجماعات التي حملت أفكارها وسلكت طريقها في العنف والتكفير، وعلى عكس كل الحقائق حاولوا الترويج لأكذوبة أن «الجماعة» التي أسست لعصر جديد من الإرهاب باسم الدين هي جماعة معتدلة!!

ولا شك أن العام الأسود الذي حكم فيه «الإخوان» مصر كان فاصلاً وكان كاشفاً لفاشية تستخدم الدين وتنكر الأوطان وتبيع كل شيء من أجل الجماعة!! اصطدم الإخوان مع مصر كلها، وفي نفس الوقت فتحوا الأبواب لباقي الجماعات الإرهابية في محاولة لتحويل مصر إلى قاعدة لعملياتها، واستخدام كل عصابات الإرهاب لإخضاع المصريين وترويعهم وفرض حكم المرشد باعتباره قمة الديمقراطية!!

مع السقوط الكبير لحكم الفاشية الإخوانية لمصر، كان لابد لواشنطن من مراجعة سياساتها نحو المنطقة. استغرق الأمر وقتاً طويلاً لتصحيح المسار، تطورات الموقف في المنطقة أكدت أن الرهان على «إرهاب معتدل» أو «غير معتل» لا يؤدي إلا إلى الكارثة، ما وقع في سوريا وليبيا واليمن أكد أن الإرهاب باسم الدين لا يمكن أن يقود إلا للخراب والدمار، يتساوى في ذلك إرهاب الحرس الثوري الإيراني مع إرهاب الإخوان والدواعش.

لم يعد ممكناً للرعاة القدامى أن يتغاضوا عن إرهاب الإخوان، فهموا جميعاً أن الإرهاب ملة واحدة وأن أحداً في العالم لن يكون بعيداً عن نيران كراهيته، ومع ذلك ظل ميراث سنوات من التعاون بين «الإخوان» والأجهزة السرية للقوى الكبرى يمثل عقبة في طريق اتخاذ الخطوة الأساسية لمواجهة خطر الجماعة الأم للإرهاب!!

في بريطانيا وضعوا «الإخوان» تحت المراقبة كجماعة مشتبه في ارتباطها بالإرهاب!! وفي فرنسا يطلب الرئيس الفرنسي العون للتخلص من سيطرة «الإخوان» على المساجد ونشرهم لفكرهم الإرهابي المتطرف. وفي الاتحاد الأوروبي يدركون حجم الخطر المزدوج، من يمين عنصري يعادي الإسلام، ومن جماعات تقودها «الإخوان» لنشر التطرف والإرهاب.

وهنا يجيء الإعلان الأمريكي عن مخطط إدراج «الإخوان» في قائمة الجماعات الإرهابية ليكون بمثابة جرس الإنذار لباقي الدول بأن مخاطر إرهاب «الإخوان» قد أصبحت أكبر من السكوت عليها.

وفي ردود الفعل لم نجد من يقف في صف «الإخوان» إلا رفاق التحالف الآيل للسقوط!!.. لم يكن غريباً أن يصاب «أردوغان» بالهلع، وهو الذي تصور أن «الإخوان» سيقودونه لخلافة عثمانية جديدة يستعيد بها أمجاد الماضي ويصبح فيها سلطان المسلمين!! ولم يكن غريباً أيضاً أن يقف وزير خارجية إيران ليعلن من «الدوحة» معارضة بلاده للقرار الذي يلحق «الإخوان» بالحرس الثوري في لوائح الإرهاب.. فالصلات قديمة، والتحالف قائم، ومرشد إيران ترجم بنفسه بعض كتابات سيد قطب، ومرشد «الإخوان» كان يقود مشروع تكوين حرس ثوري إخواني في مصر أثناء العام الأسود للحكم الإخواني!!

أما «الإخوان» فليس أمامهم ـ الآن على الأقل ـ إلا صمت المصدومين بالموقف الأمريكي الذي يقاومونه في أروقة الإدارة الأمريكية منذ سنوات، يدركون الآثار السلبية والقانونية لهذا القرار، ويعرفون التبعات الكارثية على إمبراطوريتهم الاقتصادية، ويفهمون -ومعهم الحليف التركي ـ معنى الرسالة الأمريكية التي تؤكد ما سبق أن أشرنا إليه مراراً: أن اللعبة انتهت يا سادة وقوائم الإرهاب في الانتظار!!

ويبقى أن يحسم العرب المعركة على أرضهم، وأن يكتمل تطهير الوطن العربي من كل عصابات الإرهاب، وأن نستمر في جهدنا لتقديم الصورة الحقيقية لإسلام السماحة والاعتدال، ولبناء أوطان تقوم على العلم والعمل وتصون كرامة الإنسان وحقوق المواطنة.

* كاتب صحفي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات